إن الروح التي كانت تملي على الجارم مدحه لهؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم هي ذاتها الروح التي أملت على المتنبي مديحه لسيف الدولة، والتي جعلته يشعر أنه ند لممدوحه، بل يكاد يتجاوزه أحيانًا مكانةً، فهو الذي يمنحه القوة والعظمة، وهو المدح الذي يرعب أعداء سيف الدولة إذا سدد إليهم، ويزين موكبه إذا استعرضه:
وما أنا إلا سَمْهَرِيّ حملتَه
... فزين معروضًا وراع مسددَا
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدى ... إذا قلتُ شعرًا أصبحَ الدهرُ منشدَا
لقد كان اعتزاز الجارم بنفسه لا يقل عن اعتزاز المتنبي بنفسه إن لم يفقه، وقد ظهرت دلائل هذا الاعتزاز في سنه الباكرة، حيث يقول عن نفسه في يفاعته:
سَتَندبُنى الفصحى إذا متُّ قَبْلَها
... ومات الذي في الناسِ ليس له ندّ
ولم يكن انشغال الجارم بالهموم العامة مقصورًا على هموم وطنه الأصغر مصر، بل تجاوزها إلى الانشغال بهموم أمته العربية والإسلامية، ثم اتسع ذلك الانشغال ليحتضن هموم الإنسانية كلها.
ففيما يتصل بهموم الأمة العربية والإسلامية لم يترك حدثًا من الأحداث المهمة التى مرت بها الأمة دون أن يشارك فيه بشعره، فلقد غنَّى لبغداد ـ التي زارها أكثر من مرة ـ"بلد الرشيد، ومنارة المجد التليد"معبرًا عن الروابط الوثيقة التي تربطها بمصر:
"أهلُوك أهلونا وأبناءُ العشيرةِ والجدودِ"
"حتى يكاد يحبّ نخلك نخل أهلي في رشيد"
ويتحدث عن السودان وما بيننا وبينه من روابط تاريخية وحضارية وروحية، ممثلة في الدين والجنس والعقيدة:
إن جُزْتَ يومًا إلى السودانِ فارعَ لهُ
... مَوْدَّةً كصفاءِ الدُّرِّ مَكْنُونا
عَهْدٌ لهُ قَدْ رَعَيْنَاهُ بأعيُنِنا ... وعُروةٌ قَدْ عقدناها بأيدينا
ظِلُّ العروبةِ والقرآنُ يجمَعُنا ... وَسَلْسَلُ النِّيلِ يرويهم ويروينا
وقد صور الترابط بين العواصم العربية تصويرًا بارعًا في قصيدته التي كتبها بمناسبة إنشاء جامعة الدول العربية:
تذوبُ حُشَاشاتُ العواصمِ حسرةً