يقول الجارم عن هؤلاء الأدعياء في عصره وفي كل عصر في هذه القصيدة الرائعة:
جَلَبُوا للقريضِ ثوبًا من الغَرْ ... بِ ولم يَجْلِبوا سِوى الأكفانِ
ثُمَّ قالوا مُجَدِّدُونَ، فأهلًا ... بِصَنَاديدِ أُخْرياتِ الزَّمَانِ
لا تَثُوروا على تُراثِ امرِئِ القَيْـ ... سِ وصُونوا دِيباجَةَ الذُّبيانى
واتركوا هذه المعاولَ باللَّـ ... ـهِ فإنِّي أخْشَى على البُنْيانِ
واحفظوا اللفظَ والأساليبَ والذَّوْ ... قَ وهاتوا ما شئتُمُ منْ مَعَاني
ما ِلسانُ القريضِ من عربيٍّ ... كَلِسَانِ القريضِ من طُمْطُمَانِي
إِنَّمَا الشِّعْرُ قِطْعَةٌ منك لَيْسَتْ ... مِنْ دِمَاءِ اللاِتينِ واليُونَانِ
كُلُّ فَنٍّ له مكانٌ وأهلٌ ... إن غَدَا العِلمُ ما لهُ من مكانِ
إن رأيتمْ أُخُوّةَ العُودِ للجَزْ ... بَنْدِ فَابْكُوا سُلالةَ العِيدانِ
لا يَهُزُّ النخيلَ إلا حنينُ النـ ... ايِ في صَمْتِ ليلةٍ منْ حَنَانِ
ونريد ابتداء أن نسجل هنا ملاحظتين عن ظاهرتين تطالعاننا كثيرًا من شعر الجارم:
أولاهما: نفاذ بصيرته وقدرته على استقراء وقائع الحاضر لتوقع ما سيحدث في المستقبل الذي يجيء على نحو ما توقعه الجارم وأخبر عنه، والأخرى: قدرته الباهرة على صوغ آرائه وخطواته النقدية والتعبير عنها تعبيرًا شعريًّا رائعًا فيه كل نضارة الشعر وكل سموه وتحقيقه بعيدًا كل البعد عن جفاف الأفكار العلمية وجمودها، وسنشير من حين لآخر لبعض تجليات هاتين الظاهرتين في بعض النماذج التي نعرض لها من شعر الجارم.