ولقد عرض الجارم المفهوم الشعري من وجهة نظره وتأمله تأملًا شعريًّا في أكثر من قصيدة من قصائده ـ فضلًا عن مؤلفاته وأبحاثه النقدية العلمية ـ ولكن قصيدة"خلود"تظل عنوانًا فذًّا على تصور الجارم لمفهوم الشعر ومفهوم التجديد جميعًا، وذلك بسبب لغتها الشعرية المتفردة، وقدرتها ـ أو قدرة الشاعر فيها ـ على تحويل المفاهيم النظرية إلى صور شعرية آسرة، ولنتأمل تلك المقابلة الشعرية البارعة بين عالمية العلم ومحلية الأدب ـ والفن عمومًا ـ:
كُلُّ فنٍّ لهُ مكانٌ وأهلٌ إنْ غدا العلمُ ماله من مكانِ
أو ذلك التصوير البارع لكون الأمة لا تطرب إلا لأغانيها الخاصة، ولا تنفعل إلا بفنها الخاص المسْتمد من طبيعة الأمة التي ينتمي إليها وعن أشواقها الروحية حتى يستطيع أن يخاطب أعماق أبنائها:
لا يهزُّ النخيلَ إلا حنينُ النـ ايِ في صمتِ ليلةٍ من حَنانِ
وإذا كان الجارم قد استنكر على دعاة التجديد في عصره دعوتهم إلى التمرد على تراث امرئ القيس أو إهدارهم لديباجة النابغة. فماذا كان سيقول لو امتدَّ به العمر ليرى ويسمع أدعياء التجديد الذين لا يتنكرون لتقاليد الشعر الجاهلي وأعلامه فحسب، بل يمتد تنكرهم ليشتمل أسلافهم الأقربين الذين خرجوا من تحت عباءاتهم، ويرفعون في مواجهتهم شعار قتل الأب رمزًا لرفض كل التقاليد العربية الموروثة ابتداء بأقدم قصيدة جاهلية وانتهاء بنتاج آخر الأجيال التي سبقتهم، بل لبعض أفراد جيلهم الذين لا يشاركونهم التنكر لقيم التراث وكنوزه؟! ولكن حسب الجارم نفاذ بصيرة أنه استطاع أن يستقرئ بوادر الخطر الداهم الذي يتهدد شعرنا وأدبنا، بل صميم هويتنا الحضارية انبهارًا بسراب خادع يخايل تطلعاتهم المريضة.