الصفحة 53 من 94

وإذا كان القصر النسبي للفترة التي قضاها الجارم في ربوع إنجلترا لم تتح له أن يتعمق في دراسة التيارات الأدبية المتلاطمة التي كانت تعج بها البيئة التي كان يعيش فيها هناك ـ خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا انشغاله بالمهام العلمية التي ابتعث رسميًّا لتحقيقها ـ فلا شك أن نهمه المعروف للتزود بشتى ضروب المعرفة لابد وأن يكون قد عوضه كثيرًا عن هذا القصر النسبي لفترة إقامته هناك، ولا أدل على مدى استفادته من اللغة الإنجليزية وآدابها من قيامه بترجمة بعض الأعمال الأدبية والثقافية عن الإنجليزية، مثل ترجمته لكتاب"المستشرق الإنجليزي ستانلي لين بول عن قصة العرب في إسبانيا"ومراجعة أو اشتراكه في مراجعة بعض الأعمال الأدبية المترجمة عن الإنجليزية مثل مسرحية"ترويض النمرة"لشكسبير، ومسرحية (البخيل) لموليير، التي ترجمت عن الإنجليزية وشارك في مراجعة ترجمتها.

ويستشهد الدكتور أحمد علي الجارم نجل الشاعر علي تمكن الجارم من اللغة الإنجليزية وآدابها بترجمته بعض الأشعار الإنجليزية الواردة في كتاب"قصة العرب في إسبانيا"ترجمة عربية شعرية رصينة، لكي يتذوقها القارئ العربي، ويحس بانفعالات مؤلف الكتاب (1) .

ولقد كان للجارم فهم خاص لعملية التجديد عبَّر عنه تعبيرًا شعريًّا بارعًا في قصيدة من أجمل قصائد ديوانه، وهي قصيدة"خلود"التي قالها في ذكرى الشاعرين شوقي وحافظ، ويحدد فيها بأسلوب شعري متفرد ـ مفهومه للشعر، وللتجديد، وكأنما كان بنفاذ بصيرته يقرأ من كتاب مفتوح، ويتوقع من وراء حجاب ما سيعانيه شعرنا وأدبنا وهويتنا الثقافية عمومًا بعد أكثر من نصف قرن من كتابته هذه القصيدة على يد أدعياء الحداثة ـ لا دعاتها ـ من تدهور وتحلل.

(1) انظر كتاب"الجارم في ضمير التاريخ"إعداد الدكتور أحمد علي الجارم 1994 ص 152، وانظر كتاب"سلاسل الذهب"الذي يضم أعمال الجارم النثرية الكاملة، دار الشروق 1989، ص 292، 300، 301 ومواضع أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت