والكثيرون ممن كتبوا عن الجارم لم يروا منه إلا جانبه التراثي المحافظ المتمثل في الاعتزاز بالموروث الأدبي والتعبير عن قيمه وتقاليده الفنية والفكرية دون تجاوز، ولكن العقاد استطاع بثاقب نظره أن يلتقط تلك الملامح الفارقة بين المدرسة التي كان ينتمي إليها الجارم ويعد واحدًا من أهم أركانها وملامح سواها من المدارس الشعرية الأخرى المشتركة معها في بعض الملامح الفنية، ولا سيما تلك المدارس التي كانت تنتمي إلى ذلك الاتجاه الأدبي العريض الذي تنتمي إليه مدرسة الجارم ـ أو مدرسة دار العلوم بصفة عامة ـ وهو الاتجاه المحافظ.
ولا شك أن الذين لم يروا في شعر الجارم سوى جانبه المحافظ كان لهم عذرهم، لأن سمات التجديد والحداثة في شعر الجارم ـ على سعة مداها وعمقها ـ حرية أن تخفى على أي ناقد لا يمتلك نفاذ بصيرة العقاد لفرط دقتها ونجاح الجارم الجدير بالتنويه في إخضاع هذه السمات التجديدية لقيم موروثنا الشعري وتقاليده، بحيث أصبحت خيوطًا أصيلة في نسيج هذا الموروث وليست شيئًا غريبًا عنه ومقحمًا عليه من الخارج.
وأستطيع أن أضيف في هذا السياق إلى ما قاله العقاد عن مرجعية ملامح التجديد في شعر الجارم وردها إلى طبيعة الدراسة في دار العلوم رافدًا آخر انفرد به الجارم بين شعراء هذه المدرسة من شعراء جيله، وأعني بهذا الرافد رحلته إلى أوربا التي كانت تهب منها رياح التجديد على واقعنا الأدبي، حيث سافر إلى إنجلترا وأقام في ربوعها أربعة أعوام وهو في شرح الشباب، هذه السن التي تكون العزيمة فيه أمضى، والقدرة على التفاعل مع عوامل التطور والتجديد أنشط، وقد أتاحت له هذه الرحلة الاتصال المباشر بهذا المصدر الأصيل من مصدر التجديد الذي تأثرت بالتيارات الوافدة منه كل حركات التجديد الأدبي المعاصرة للجارم واللاحقة عليه على نحوٍ من أنحاء التأثر.