الصفحة 40 من 94

وعبر الرواية يصف البيئة التي تتحرك الأحداثُ فوقها، مستوعبًا ومعللًا، ويقدم صورًا بالغة الواقعية عن الحياة الأدبية في هذا القطر أو ذاك، وعن المنتديات الأدبية وما يجري فيها من حوارات وما يُثار من مناقشات أدبية، يقدم لها أمثلة يتقبلها ذوقُ القارئ، ويفهمها، وتجمل في عينيه، مع أنها لو ذُكِرَت له خارج الرواية، لاستثقلها وأعرض عنها، ومنها يعلم القارئ النحو والنقد.

في رواية الشاعر الطموح، يورد خبر مجلس أدبي على رأسه أبو بكر الكندي، الذي يعترض على بيت شعر للمتنبي، صائحًا: من علّم هذا الشاعر العربية حين يقول:

لقد كنت أرجو أن أراك فأطربُ!

فيرفع الفعل أطربُ، وهو منصوب لامناص، لأنك إن جعلت الفاء عاطفة وجب نصبُه بأن مضمرةً، فكيف ساغ لهذا الرجل رفعه؟ فصاح طالب، قد يكون معطوفًا على أرجو وهو مرفوع، وهنا قَهْقه الشيخُ حتى سقطت عمامته، وأجاب: هذه حيلة العاجز يا ولدي، لأن الطرب مترتب على الرؤية لا على الرجاء.

يميز رواياتِ الجارم عن غيرها من الروايات التاريخية حفاوتُها البالغة بالصياغة الأسلوبية في السرد، فهو يختار ألفاظه بعناية، ويشكِّل صوره في دقة، ويعتمد كثيرًا على التضمين والاقتباس، وقد يستخدم ألفاظًا مهجورة، وتعبيرات غريبة، فيُحيي ما هُجر من ألفاظ اللغة مثل: الداء العُقَام، تكاد تصاقب داره، ذُمامة هم، عتاب تحته مِقَةٌ، كأنه فواق المحتضر، وغيرها. وهو يُدخل هذه الألفاظَ والعبارات، وبعضها الداء الذي لا يبرأ، وقيامه الضم، ولكن المسموع الفتح من المحفوظ التراثي في النسيج العام دون تنافر أو ثقل، وتتناثر في رواياته عبرَ هذا الأسلوب الشاعري الجميل، التشبيهات الطريفة، تقول نائلة لولاّدة:

"إنه البرد يا سيدتي، حاذريه، ولا تستهيني به، فإنه كالحب، يبدأ خفيف الوقع، ضعيف الأثر، ثم يعظم ويستشري حتى يصبح داءً عُضالًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت