... كان وراء اختيار هذه الموضوعات دوافع ذاتية وأخرى قومية، فيما أتصور، الأولى أحست أن عالم الشعر الحق في ماضيه وحاضره بدأت تتخطفه اتهامات ظالمة ممن لا يعرف شيئًا عن تاريخنا الأدبي، وممن لا يحسن قراءة قصيدة دون أن يخطئ، فضلًا عن الوقوع على أسرارها الجمالية، وبدأت التهم تنال من الشعر والشعراء، شعراء المناسبة، شعر المديح إلى كلام كثير عريض وصاخب، ولكنه أجوف لا شيء وراءه، ونجني ثمرته الآن: ساحة شعرية خالية من الشعراء الخليقين بهذا الاسم، إلا قلة قليلة، ومن ثم اتخذ من كبار الشعراء أبطالًا لروايته، ومن حركة حياتهم مادة لها، وهو لا يقدمهم ملائكة وإنما يقدّمهم شخوصًا عظيمة، يحلقون في سماء المجد، وإن أخطؤوا كبقية الآدميين.
وأما الدوافع القومية فتنظر إلى واقع وطنه القريب، وأمته العربية والإسلامية على امتدادها، يراها مستضعفة ، تمزقها الفرقة، ويقعدها الوهن، ويحيط بها الأعداء من كل جانب، فأراد أن ينفخ في روحها عن طريق الفن، بأن يقدم لها النموذج الشبيه في تاريخها، فتعي عن طريق المقارنة، ما يمكن أن تؤدي إليه الحياة التي تعيشها، فقصد في كل رواية إلى قطعة بارزة من التاريخ العربي، درسها، وتمكن من مادتها، وتغلغل في طبائع شخوصها وبيئاتهم، حتى إذا اكتملت في نفسه عمد إلى محاكاتها في غير تكلف، في لفظ مترقرق، وسرد محكم، وتصوير بارع.
جاء بناء الرواية عند الجارم واحدًا في كل رواياته، يتمثل في أن تجيء الروايات في لوحات متتابعة، شبه مستقلة، يمكن أن تكون قصة قصيرة، تحمل كل لوحة عنوانًا مستقلاًّ أو رقمًا، يربط بينها خيط رقيق، قد يكون الشخصيات الأولى، أو تتابع الأحداث. وهو لا يقصد بها إلى التسلية أو المتعة فحسب، وإنما جعلها مركبًا لآرائه ومعتقداته وأفكاره عن الناس والحكام والنظم والكون، يعبر عن ذلك كله على لسان شخوص رواياته دون أن يخشى بأسًا أو حرجًا.