الصفحة 37 من 94

... لم يكن الجارمُ في ثقافتهِ العامة، ونشاطهِ الأدبي، بعيدًا عن القصة في أصولها العربية البعيدة، فقد حقّق - مع المرحوم أحمد أمين - كتابَ المكافأة لابنِ الداية، وهو مجموعة قصص عربية مصرية، وحقق وشرح - مع العوامري - كتاب البخلاء للجاحظ، والبخلاءُ كلُّه قصص - وكلا الكتابين كان من القراءة المقررة على أبنائنا في المدارس الثانوية في الأربعينيات من القرن العشرين. ترى ماذا يقرأ تلاميذ المدارس الثانوية الآن؟

... في نثره، كما في شعره، كان يحكمُ الجارمَ في إبداعه مذهبٌ نقدي يؤمن به، وهو أن للفن غايةً خلقية، وهو اتجاه كان يصطدم بقوة مع مذاهب أخرى، بدأت تعرفها الحياة الأدبية العربية، وافدة إلينا من وراء البحار. مذهب"الفن للفن"، ينكر أن يُعنى الأدباء بالنواحي الاجتماعية والسياسية، أو أن يوظف الشعر لتمجيد البطولات والمعتقدات؛ لأن الأدب الإبداعي، شعرًا كان أو نثرًا، لا يأبه بالموضوعات الأخلاقية، ولا يشرف بالمواعظ والحكم، وإنما غايته الجمال فحسب، وفي مواجهته مذهب آخر، حط رحاله في مصر خلال الحرب العالمية الثانية، مع بعض العائدين من فرنسا بالذات، وهي"الواقعية الاشتراكية"يتجاوز بها دعاتها مبدأ تصوير الواقع الذي تعرفه الواقعية النقدية منذ القرن الماضي، ويرون الفن سلاحًا في معركة الصراع الطبقي. ومن الواضح أن الجارم رفض تطبيق المذهبين، فهو يؤمن بأن للفن رسالةً جمالية، ولكن الغايةَ الخلقية قمة هذا الجمال، ويراه سلاحًا من أجل التحرر والاستقلال وعدم التبعية، ولكنه يرفض أن يقيده بمصلحة طبقة دون غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت