الصفحة 36 من 94

... لكن الواقع الاجتماعي والأدبي بدأ يتغير بسرعة وعمقٍ في مصرَ والعالم أجمع، خلال الحرب العالمية الثانية، فلم يَعُدِ الشعرُ والمقالةُ هما الأداة الثقافية الأولى في النضال، فقد ظهرت إلى جوارِهما أوّلًا الروايةُ التاريخيةُ، على استحياء في البدء، وأقبل عليها القراءُ بِنَهَمٍ شديد لانتشار القراءةِ والكتابة، ومواءَمتِها لمحدودي الثقافةِ، وبدأت اللغةُ معها، منذ الوهلة الأولى، تَهبِطُ وتُسِفّ، ولم يعد مصطفى لطفي المنفلوطي هو المثل الأعلى في الأسلوب، وإنما جُرجي زيدان، وتبع هذا آخرون جاؤوا بعده، كانت لغتهم أصفى منه، ولكنها لم تبلغِ القدر الذي تمنّاه علي الجارم، ولم يقف بأُمنيته عند الأمل فنقلها إلى دنيا الواقع، وانضم إلى هذه القافلة الطيبة من كتاب الرواية التاريخية: محمد فريد أبو حديد، ومحمد سعيد العريان، وعلي أحمد باكثير، وإذا كانوا جميعًا، ومعهم الجارم، يصدرون عن منظور دينيٍ إسلامي، أو قومي عربي، أو وطنيٍ مصري، فقد تفوق عليهم الجارم بهذا الأسلوب الرشيق الذي لا يقل بلاغة ولا روعة عن لغة شعره.

... وإذا كان الشعر قد تقدم بالجارم خطوةً على رفاقه الناثرين والروائيين، فإن النثرَ نفسه قد تقدم به خطوات على الشعراء، يقول أستاذُنا الجليلُ المرحومُ عباس حسن، في كتابه"المتنبي وشوقي":"من خصائصِ شوقي التي امتازَ بها عن المتنبي، النثرُ الرائعُ حقًّا، فله في هذا الميدانِ كتابٌ سمّاه"أسواق الذهب"، ومن ثم يمكن القولُ بأن الجارم تقدم على نظرائه الشعراء الذين انفردوا بفنٍّ واحدٍ خطوةً أزيد، في كلا المجالين: الشعر والنثر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت