الصفحة 35 من 94

... أول ما يَلفت النظَر في هذا الجانب من إبداعه أنه تأخّر كثيرًا عن الشعر، وأول روايةٍ له، وهي"شاعرٌ مَلِك"، نُشرتْ عامَ ثلاثةٍ وأربعين وتسعمئة بعد الألف، أي أنه كان قد تجاوزَ الستين من عمره، مع أن أول قصيدة قالها وهو في الثالثة عشرة من عمره، عام خمسةٍ وتسعينَ وثمانمئة بعد الألف يأسى لما أصاب مسقطَ رأسه رشيدًا إبَّان وباءِ الكوليرا. لقد أمضى نصف قرن أو أزيدَ قليلًا يترنّم بالشعر، حتى استحق لقبَ"صَنَّاجَة العرب". مَردُّ هذه الظاهرةِ فيما أرى، وقد أكون مخطئًا، أن الجارمَ أحسّ مبكِّرًا بذاتِه شاعرًا، وأنه موهوبٌ في هذا الجانب، فهو يفخرُ بأنه تلميذُ أمير الشعراء شوقي، وأنه منه ما كان لمهيار الديلمي من الشريف الرضي، ويتطلعُ إلى أن يشغل مكانه ومكانتَه، يومًا، فشغله هذا الجانب إبداعًا وتجويدًا عن الجانب الآخر من الأدب وهو النثر.

... والأمر الثاني أن الجارمَ عاش شبابَه ورجولتَه في فترةٍ شُغلتْ بالكفاحِ الوطني، وأسهمَ الجارم بقصائده في هذا المجال، واتسمَ بالغيرةِ الصادقة على الإسلام والعروبِة في ماضيها وحاضرِها ومستقبلها، يدافعُ عن كلِّ بلدٍ عربي وإسلامي، ويرحبُ بزعمائهم، ويشهد أي مؤتمرٍ يتدارسُ همومَهم. وتميّزَ بين الكثيرين من رفاقه، بأنه لم يكتب بيتًا واحدًا، على وفْرةِ شعرِه، يطري فيه الإنجليز شعبًا أو أخلاقًا أو حكامًا أو مستعمرين، أو ما يشمُّ منه رائحة أنه يغفر لهم شيئًا مما يصنعون بوطنه، رغم أنه عاش في بلادهم مُبتعثًا أربعَ سنوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت