الصفحة 34 من 94

... ونأملُ أن تجىءَ هذه الاحتفالاتُ تكفيرًا عن إهمالٍ وطني لم يستهدفِ الجارمَ شخصًا، فما كان بينَه وبينَ أحدٍ خلاف، وإنما استهدفَ العربيةَ في جلالها، والشعرَ في بنائه، والروايةَ في أسلُوبها، وعلينا أن نعترفَ أنه في فترةٍ ما، أريد لهذه القيمِ في جُملتها أن تتبدَّل، لتحلَّ مكانها قيم جديدة، إنْ كان لمثلِ هذه أن تسمَّى قيمًا، ولكن قانونَ الخلودِ يعمل عَمَلَه، رغمَ كلِّ شيء، في الماديات كما في المعنويات: عندما غَرِقت الحضاراتُ القديمةُ لم يطفُ منها غيرُ المظاهرِ الفنيةِ والأدبيةِ العالية، الأكثر صفاء وسُمُوًّا. قاومت الفناءَ بقايا القصور والقلاعِ والمعابد، وتلاشت الأكواخُ والأبنيةُ المتواضعة. ووصلتْنَا في مخطوطات جيّدةٍ ومتعدّدة، دواوينُ الشعرِ، وروائع النثر، ونصوص الفلسفة، وتبخّرتِ الأزجالُ والأغاني الشعبية، والثرثراتُ والادعاءاتُ وتوافهُ الأفكار. وتغيّر العاميةُ كل يوم جِلْدَها، وتبقى الفصحى شامخة ثابتة على الدوام وكل هذا أيها السادةُ يفسرُ لنا لِمَ نحن هنا نتذكر الجارمَ، نتذاكرُ إبداعَه، ونعيش مع تراثه، فقد اختار في اتجاهاتِه الأدبيةِ المختلفة أن يمثل الرفعةَ والسموَّ، وكلَّ ما يصمدُ في مواجهة أحداثِ الزمان.

... كان علي الجارم متعدِّدَ المواهب: فهو الشاعرُ المحلِّق، والناثرُ الفذُّ، والباحثُ المتمكّن، واللغويُّ الضليع، وحلّقَ في هذه الاتجاهات كلها، وحظّي منها اليوم أن أقفَ عند جانبٍ واحدٍ فحسب، أن أقف عند إبداعِه ناثرًا، وإن شِئنا الدقةَ قلتُ: كاتب رواية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت