أما اليوم، فإن كثيرا من المسلمين أُصِيبوا في إيمانهم ودينهم، واجتمع عليهم أعداؤهم، فرموهم عن قوس واحدة، كما أخبر النبي حيث قال: (( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُق كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ) )، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: (( أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ) )، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: (( حُبُّ الْحَيَاةِ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) ).
وواقع الأمة اليومَ يجسّد هذا الحديث ويوضحه، فأعداد المسلمين كثيرة، ولكنها لا تفرح صديقًا، ولا تخيف عدوًا، فهم غثاء كغثاء السيل، وأما أعداؤنا من اليهود والمشركين والنصارى والمنافقين فقد جمعوا فلولهم، ورصوا صفوفهم، وجمعوا كلمتهم على حرب الأمة وتدميرها وإذلالها ونهب ثرواتها.
فالوثنيون والملحدون ـ ممثلون بالعالم الشرقي ـ يسحقون المسلمين بالحديد والنار، يتربصون بالأمة الدوائر، ويكيدون لها المكائد، ولا يجدون فرصة ينفّسون فيها عن أحقادهم إلا فعلوا، وما تخفي صدورهم أكبر، وما يفعلونه بإخواننا في كشمير وفي الهند وفي بورما وفي بلاد الشيشان أكبر شاهد على ضراوة عداوتهم.
أما الصليبيون ـ ممثلون بالعالم الغربي الكافر ـ فهم ورثة الأحقاد والضغائن على الأمة، فالصليبيون ضائقون بالإسلام منذ ظهوره، وقد اشتبكوا مع المسلمين في حروب طويلة مضنية، إلا أن التاريخ لم يشهد حدة في العداء وخبثًا في الأداء وإصرارًا وتصميمًا على تدمير الأمة وإفنائهما كما يجرى منهم اليوم، فها هم خبراؤهم وكبراؤهم وساستهم يتنادون لحرب الإسلام، وما هذا الذي يجري في بلاد البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد الإسلام إلا ثمرة أعمالهم وجني أحقادهم، وما هذه الهيمنة السياسية والتسلط الاقتصادي والاستكبار الحضاري على المسلمين إلا قليل من كثير وغيض من فيض، وقد صدق القائل:
عاد الصليبيون ثانية ... ... وجالوا في البطاح
عاثوا فسادًا في الديار ... ... كأنها كلأ مباح
أما اليهود فقد زرعوا دولتهم في قلب العالم الإسلامي، وهم سماسرة الكيد والمكر والخبث، وقد ضربوا أفظع الصور في تشريد المسلمين وإذلالهم والتسلط عليهم والتلاعب بهم وانتهاك مقدساتهم، ولا عجب في ذلك فهم الذين قال الله عنهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82] ، وهم الذين آذوا رسول الله ودبروا له المكائد ونقضوا العهود والمواثيق، وهل ما يجري اليوم في فلسطين الغالية وفي غيرها من البلاد إلا من صنائعهم؟! فعجبًا لمن نسي الكتاب، وركض وراء السراب، بطلب الصلح أو السلم مع اليهود أرباب الغدر والمكر.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إيمان وإسلام