النفس في مكاشفة ومصارحة في عصرٍ غلبت عليه المجاملات والرتابة، والفرقة والوحشة، والتناصُر بين النفوس شذر مذر.
ومن هنا يأتي الحديث ضروريًا عن الوحدة والاجتماع، والتآلف والتآخي، والتناصر والتكاتف، في عصر كثرت فيه الموجعات، وقلّت فيه الرادعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها المسلمون، لطالما تحدّث المتحدّثون، وهتف الهاتفون من أمة الإسلام بأنه يجب أن تكون هناك وحدة قوية راسخة الأسس شامخة المعالم، تَطال أمة الإسلام طُرًا، حتى تكون بعد ذلك صخرًا صلدًا تتحطّم أمامه أمواج الضعف وتتخاذل.
وهذه الدعوة في حقيقتها ليست مستحيلة ولا ضربًا من التخييل أو نزوةً من أحلام اليقظة، كلا عباد الله، فلو كان الأمر كذلك لما حظّ الباري جل شأنه عبادَه المؤمنين على أن يكونوا إخوةً في الله متناصرين معاونين، تجمعهم كلمةٌ واحدة ورابطة واحدة، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71] ، ولما حرَّض رسول الله على أن يتلاحم المسلمون، ويكونوا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
غير أن السؤال الذي قد يشغل بال الكثيرين هو: كيف نبني هذه الوحدة؟ وعلى أي أساس يجب أن تنهض ليشتد عودها، ويستقيم ظلها؟ أتُقام هذه الوحدة على أساس من اللغة؟ لا، فاللغة وحدها غير كافية، إذ قد يكتنفها مسلم وكافر، فضلًا عن أنه لم يكن اللسان يومًا ما هو سبيل الاتحاد والوحدة، فكم هم الذين يتكلمون بلغتنا ومن بني جلدتنا، وهم في الحقيقة شياطين في جثمان إنس، كما وصفهم النبي بذلك عند مسلم في صحيحه (1) [1] .
أفتقام إذًاَ هذه الوحدة على أساس من الجنس؟ كلا، فالجنس وحده ليس معيارًا يُعتمد عليه، أو يُجعل تِكأةً للائتلاف العميق، فالإسلام لا يقيم للجنس في تقديره وزنا، فالناس كلهم لآدم، وآدم من تراب، وإن كان لهم من أصلهم نسبٌ يفاخرون به فإنه لا يعدو كونه الطين والماء، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] .
إذًا على ماذا تقام هذه الوحدة؟ وبأي شيء تكمُل؟ إنها لا تقوم حقيقةً إلا على أساس يجمع الأرواح قبل أن يجمع الأشباح، ويقنع العقول إثر سيطرته على القلوب، ويؤلف بين الرغبات والأهواء كما يؤلّف بين النبات والماء، هذا الأساس بكلِّه هو عقيدة الإيمان المستقرّة في الخواطر والصدور، وملةُ الإسلام التي تُظِل أبناءها جميعًا ليتفيّؤوا ظلالها بلواء العلي الغفار، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] .
إنه يجب علينا جميعًا أن نؤمن بأن الدعوة للوحدة ليست عصبيةً أو جنسيةً أو إقليمية، أو تأليبًا على الشر، أو اعتزامًا للبطش والعدوان، بل هي الوحدة المؤمنة العادلة التي يلزمها أن تقوم للناس بالحق والقسط، والدين الإسلامي هو أقوى وَتَرٍ حساسٍ في نفوس المؤمنين، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم،