ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد , ولا يدع الأمر مجهلا ومعمما على كل من قالوا:إنا نصارى . .
إنما هو يمضي فيصور موقف هذه الفئة التي يعنيها:
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق , يقولون ربنا آمنا , فاكتبنا مع الشاهدين . وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق , ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين . . فهذا مشهد حي يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس , الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا .
إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم , ولانت قلوبهم , وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرا عن التأثر العميق العنيف بالحق الذي سمعوه . والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير - وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول , فيفيض الدمع , ليؤدي ما لا يؤديه القول ; وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف .
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ; ولا يقفون موقفا سلبيا من الحق الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن ; والشعور بالحق الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان . . إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحق ! إنما هم يتقدمون ليتخذوا من هذا الحق موقفا إيجابيا صريحا . . موقف القبول لهذا الحق , والإيمان به , والإذعان لسلطانه , وإعلان هذا الإيمان وهذا الإذعان في لهجة قوية عميقة صريحة: (يقولون:ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين . وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق , ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ?) . .
إنهم اولا يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه . ثم يدعونه - سبحانه - أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق ; وأن يسلكهم في سلك الامة القائمة عليه في الأرض . .
الأمة المسلمة , التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق , وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر . .
فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة ; ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعة هذة الأمة ; ويدعونه - سبحانه - أن يكتبهم في سجلها . . ثم هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوق عن الإيمان بالله ; أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به , ولا يأملوا - بهذا الإيمان - أن يقبلهم ربهم , ويرفع مقامهم عنده , فيدخلهم مع القوم الصالحين: (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق , ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ?) . .
فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق . . موقف الاستماع والمعرفة , ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر , ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة , مع دعاء الله - سبحانه - أن