من عنده وأكد الله لنا ذلك بقوله: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249] َ) .
والقارعة التي حلَّت بفرعون من أجل جهاد موسى عليه السلام ومن معه توضح هذا الأمر، فإن الله تعالى قادر على أن يهلك فرعون قبل مجيء موسى عليه السلام أو بعد مجيء موسى،ولكن في أول إعراض فرعون وتكبره، ولكن الله أمهله حتى طغى وتجبر وخرج بخيله ورجله لإطفاء نور الله تعالى، وفي الميدان حلت القارعة بفرعون وجنوده وكان السبب موسى عليه السلام فقال الله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: 63] ) وقال: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137] ) .
ولما ظهر جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعرضت قريش عن الانصياع للحق سلط الله عليهم عذابه ليذعنوا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد جاء في الصحيحين عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ « اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ » . فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ(10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) [الدخان: 10 - 16] ) فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ . [1]
كل ما أصابهم كان بسبب جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم وكان ذلك بعد الهجرة وتشريع الجهاد، ولم يصبهم ما أصابهم بسبب جيش النبي - صلى الله عليه وسلم - في ميدان المعركة، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قتل من قريش ما لا يزيد عن 200 رجل في معاركه معهم، وهم قتلوا من المسلمين قريبًا من نصف هذا العدد، ولكن الله أصاب قريشًا بقارعة من عنده أذعنت لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهدى منهم أقوامًا وأهلك آخرين على كفرهم.
وفي عصرنا الحاضر أكد زوال الاتحاد السوفيتي هذه الحقيقة فلم يكن المجاهدون في ميدان المعركة أقوى ولا أقدر ولا أكثر من السوفييت، ولكن بحربهم لدين الله تعالى وقتلهم لأوليائه، تتابعت عليهم المحن والبلايا والفقر والفساد حتى سقط الاتحاد السوفيتي، فمن قال إنه سقط بسبب النظام الشيوعي الاشتراكي فهاهي دول لا زالت على ذلك النظام ولم تسقط، ومن قال بسبب ديونهم فأمريكا وقت سقوط الاتحاد السوفيتي كانت أكثر ديونًا منها لا سيما الديون الداخلية، ومن قال بسبب الحكم العسكري الدكتاتوري لها، فلا تزال دولًا أشد منها حكمًا عسكريًا باقية، و الناظر لأسباب سقوط
(1) - صحيح البخارى ( 1007 ) وصحيح مسلم ( 7244) حصت: استأصلت