مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] ، ما جفت الأرض من دماء الشهداء في عصر من العصور، ولا خلت الأرض من مخلص يقدم للأمة نموذجًا، فيموت هو، وينتشر الخير بعده بسببه.
فهذا صاحب الظلال رحمه الله كان قتله انتصارًا لمنهجه الذي عاش من أجله ومات في سبيله، بذل حياته كلها من أجل أن يبين أن الحكم من أمور العقيدة والتحاكم إلى غير شرع الله، والحكم بغير حكمه كفر بالله عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [يوسف:40] ، وقال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ، وبعد أن حكم عليه بالإعدام وقبل أن ينفذ فيه الحكم الظالم كتب هذه الأبيات وكتب الله عز وجل لها الحياة وخرجت من وراء القضبان تقول للعالم.
أخي أنت حر وراء السدود ... ... أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصما ... ... فماذا يضيرك كيد العبيد
أخي ستبيد جيوش الظلام ... ... ويشرق في الكون فجر جديد
أخي إن نمت نلق أحبابنا ... ... فروضات ربي أعدت لنا
وأطيارها رفرفت حولنا ... ... فطوبى لنا في ديار الخلود
أخي إن ذرفت عليّ الدموع ... ... وبللت قبري بها في خشوع
فأوقد لهم من رفاتي الشموع ... ... وسيروا بها نحو مجد تليد
إنه نصر وأيّ نصر، إنه أعظم وأجلّ من انتصارات كثير من المعارك والتي سرعان ما تنتهي بانتهائها، أما هذا النصر فإنه يبقى ما شاء الله أن يبقى.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته، ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده، ويظن أعداؤه أنهم قد انتصروا عليه، وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي كتبها بدمه، فتبقى حافزًا ومحركًا للأبناء والأحفاد، وربما كانت حافزًا ومحركًا لخطى التاريخ كله مدى أجيال.
المعنى السادس من معاني النصر:
وبخروج العبد للجهاد يكون قد حقق انتصارًا آخرًا وذلك حينما يبذل نفسه ووقته وماله في سبيل مبادئه ونصرة لمعتقده ودينه، فإن الفداء لهذا الدين هو انتصار بنفسه سواء كانت له الغلبة أم لعدوه، فبما أنه علا بمبدئه وقاتل من أجله وبذل نفسه رخيصة له، فإن ذلك علو حقيقي حتى لو هزم في الميدان فقد قال الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه عندما هزموا في أحد: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ) قتل منهم سبعون ومثل بهم و جرح رسول الله صلى الله عليهم وسلم وفر آخرون ثم تاب الله عليهم، إلا أن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئًا بل رغم ذلك