فهرس الكتاب

الصفحة 663 من 2003

لَمَّا التَجَأَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ إلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى يُوالُونَهُمْ وَيُوادُّونَهُمْ ، افْتَضَحَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِينَ ، بَعْدَ أنْ كَانُوا يَتَسَتَّرُونَ ، لاَ يَدْرِي أحَدٌ كَيْفَ حَالُهُمْ ، فَتَعَجَّبَ المُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ ، كَيْفَ كَانُوا يَظْهَرُونَ أَنَّهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ، يُعَاضِدُونَهُمْ وَيُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمِ اليَهُودِ ، فَلَمَّا جَدَّ الجِدُّ أَظْهَرُوا مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ مُوَالاَتِهِمْ وَمُمَالأَتِهِمْ عَلَى المُؤْمِنِينَ . وَلَمَّا اسْتَبَانَ حَالُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: لَقَدْ هَلَكَتْ أَعْمَالُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَجِهَادٍ ، وَخَسِرُوا بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ مِنَ الثَّوَابِ ..

يربي القرآن وعي المسلم بحقيقة أعدائه ، وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه . إنها معركة العقيدة . فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه . . وهم يعادونه لعقيدته ودينه ، قبل أي شيء آخر ، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ لأنهم هم فاسقون عن دين الله ، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله: { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ، وما أنزل إلينا ، وما أنزل من قبل . وأن أكثركم فاسقون؟؟ } فهذه هي العقدة؛ وهذه هي الدوافع الأصيلة!

وقيمة هذا المنهج ، وقيمة هذه التوجيهات الأساسية فيه ، عظيمة . فإخلاص الولاء لله ورسوله ودينه وللجماعة المسلمة القائمة على هذا الأساس ، ومعرفة طبيعة المعركة وطبيعة الأعداء فيها . . أمران مهمان سواء في تحقيق شرائط الإيمان أو في التربية الشخصية للمسلم ، أو في التنظيم الحركي للجماعة المسلمة . . فالذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها أصلًا ، ولا يكونون في ذواتهم شيئًا ، ولا يحققون في واقع الأرض أمرًا ما لم تتم في نفوسهم المفاصلة الكاملة بينهم وبين سائر المعسكرات التي لا ترفع رايتهم ، وما لم يتمحض ولاؤهم لله ورسوله ولقيادتهم الخاصة المؤمنة به ، وما لم يعرفوا طبيعة أعدائهم وبواعثهم وطبيعة المعركة التي يخوضونها معهم ، وما لم يستيقنوا أنهم جميعًا إلب عليهم ، وأن بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة والعقيدة الإسلامية على السواء .

إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء ، واتخاذهم أولياء شيء آخر ، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين ، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته ، بوصفه حركة منهجية واقعية ، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض ، وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية؛ وتصطدم - من ثم - بالتصورات والأوضاع المخالفة ، كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله ، وتدخل في معركة لا حيلة فيها ، ولا بد منها ، لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده ، وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة . .

وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة ، كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها؛ ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت