مغنم . ومن ثم كانت الدعوة إلى الصبر على الأذى متفقة مع منهج التربية الذي يهدف إلى التوازن في الشخصية الإسلامية , وتعليمها الصبر والثبات والمضي في الطريق .
فهذه الاعتبارات وأمثالها قد اقتضت سياسة المسالمة والصبر في مكة . مع تقرير الطابع الأساسي الدائم للجماعة المسلمة: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) . .
ويؤكد هذه القاعدة بوصفها قاعدة عامة في الحياة: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) . .
فهذا هو الأصل في الجزاء . مقابلة السيئة بالسيئة , كي لا يتبجح الشر ويطغى , حين لا يجد رادعًا يكفه عن الإفساد في الأرض فيمضي وهو آمن مطمئن !
ذلك مع استحباب العفو ابتغاء أجر الله وإصلاح النفس من الغيظ , وإصلاح الجماعة من الأحقاد . وهو استثناء من تلك القاعدة . والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة . فهنا يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء . فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجىء ضعفا يخجل ويستحيي , ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى . والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو . فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا . ولا كذلك عند الضعف والعجز . وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز . فليس له ثمة وجود . وهو شر يطمع المعتدي ويذل المعتدى عليه , وينشر في الأرض الفساد !
(إنه لا يحب الظالمين) . .
وهذا توكيد للقاعدة الأولى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) من ناحية . وإيحاء بالوقوف عند رد المساءة أو العفو عنها . وعدم تجاوز الحد في الاعتداء , من ناحية أخرى .
وتوكيد آخر أكثر تفصيلا: (ولمن انتصر بعد ظلمه , فأولئك ما عليهم من سبيل . إنما السبيل على الذين يظلمون الناس , ويبغون في الأرض بغير الحق . أولئك لهم عذاب أليم) . .
فالذي ينتصر بعد ظلمه , ويجزي السيئة بالسيئة , ولا يعتدي , ليس عليه من جناح . وهو يزاول حقه المشروع . فما لأحد عليه من سلطان . ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد . إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس , ويبغون في الأرض بغير الحق . فإن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس ليكفوه ويمنعوه من ظلمه ; وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه . والله يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الأليم . ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له ويأخذوا عليه الطريق .
ثم يعود إلى التوازن والاعتدال وضبط النفس والصبر والسماحة في الحالات الفردية , وعند المقدرة على الدفع كما هو مفهوم ; وحين يكون الصبر والسماحة استعلاء لا استخذاء ; وتجملًا لا ذلًا: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) . .