فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 2003

هذه الصغائر , لأنه أعلم بطاقته . وهذا فضل من الله وسماحة ورحمة بهذا الإنسان ; توجب الحياء من الله , فالسماحة تخجل والعفو يثير في القلب الكريم معنى الحياء .

(وإذا ما غضبوا هم يغفرون) . .

وتأتي هذه الصفة بعد الإشارة الخفية إلى سماحة الله مع الإنسان في ذنوبه وأخطائه , فتحبب في السماحة والمغفرة بين العباد . وتجعل صفة المؤمنين أنهم إذا ما غضبوا هم يغفرون .

وتتجلى سماحة الإسلام مرة أخرى مع النفس البشرية ; فهو لا يكلف الإنسان فوق طاقته . والله يعلم أن الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته . وهو ليس شرًا كله . فالغضب لله ولدينه وللحق والعدل غضب مطلوب وفيه الخير . ومن ثم لا يحرم الغضب في ذاته ولا يجعله خطيئة . بل يعترف بوجوده في الفطرة والطبيعة , فيعفي الإنسان من الحيرة والتمزق بين فطرته وأمر دينه . ولكنه في الوقت ذاته يقوده إلى أن يغلب غضبه , وأن يغفر ويعفو , ويحسب له هذا صفة مثلى من صفات الإيمان المحببة . هذا مع أنه عرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يغضب لنفسه قط , إنما كان يغضب لله , فإذا غضب لله لم يقم لغضبه شيء . ولكن هذه درجة تلك النفس المحمدية العظيمة ; لا يكلف الله نفوس المؤمنين إياها . وإن كان يحببهم فيها . إنما يكتفي منهم بالمغفرة عند الغضب , والعفو عند القدرة , والاستعلاء على شعور الانتقام , ما دام الأمر في حدود الدائرة الشخصية المتعلقة بالأفراد .

(والذين استجابوا لربهم) . .

فأزالوا العوائق التي تقوم بينهم وبين ربهم . أزالوا هذه العوائق الكامنة في النفس دون الوصول . وما يقوم بين النفس وربها إلا عوائق من نفسها . عوائق من شهواتها ونزواتها . عوائق من وجودها هي وتشبثها بذاتها . فأما حين تخلص من هذا كله فإنها تجد الطريق إلى ربها مفتوحًا وموصولا . وحينئذ تستجيب بلا عائق . تستجيب بكلياتها . ولا تقف أمام كل تكليف بعائق من هوى يمنعها . . وهذه هي الاستجابة في عمومها . .

ثم أخذ يفصل بعض هذه الاستجابة: وأقاموا الصلاة . .

وللصلاة في هذا الدين مكانة عظمى , فهي التالية للقاعدة الأولى فيه . قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . وهي صورة الاستجابة الأولى لله . وهي الصلة بين العبد وربه . وهي مظهر المساواة بين العباد في الصف الواحد ركعًا سجدًا , لا يرتفع رأس على رأس , ولا تتقدم رجل على رجل !

ولعله من هذا الجانب أتبع إقامة الصلاة بصفة الشورى - قبل أن يذكر الزكاة:

(وأمرهم شورى بينهم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت