أن يخافه ويخضع له ; فكان دينهم عاريًا عن الخشوع لله ودعائه , وما كانوا يعرفون عن الله ما يحببه إليهم , فكانت معرفتهم مبهمة غامضة , قاصرة مجملة , لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة . . .
.. . انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذاتسلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح , ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع , ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها . آمنوا بالله الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى . آمنوا برب العالمين , الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين , الملك , القدوس , السلام , المؤمن , المهيمن , العزيز , الجبار , المتكبر , الخالق , البارىء , المصور , العزيز , الحكيم , الغفور , الودود , الرؤوف , الرحيم , له الخلق والأمر , بيده ملكوت كل شيء , يجير ولا يجار عليه . . .
إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه . يثيب بالجنة ويعذب بالنار , ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر , يعلم الخبء في السماوات والأرض , يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه . فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلابًا عجيبًا . فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهرًا لبطن . تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره , وجرى منه مجرى الروح والدم , واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها , وغمر العقل والقلب بفيضانه , وجعل منه رجلا غير الرجل , وظهر منه من روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة , ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق , ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد , وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق"."
"وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس , ومحاسبتها والإنصاف منها , وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية , حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان , وسقط الإنسان سقطة وكان ذلك حيث لا تراقبه عين , ولا تتناوله يد القانون , تحول هذا الإيمان نفسًا لوامة عنيفة , ووخزًا لاذعًا للضمير , وخيالًا مروعًا , لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون , ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة , ويتحملها مطمئنًا مرتاحًا , تفاديًا من سخط الله وعقوبة الآخرة". .
". . . وكان هذا الإيمان حارسًا لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته , يملك نفسه النزّع أمام المطامع والشهوات الجارفة , وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراه أحد , وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحدًا . وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم , وأداء الأمانات إلى أهلها , والإخلاص لله , ما يعجز التاريخ البشري عن نظائره , وما ذاك إلا نتيجة رسوخ الإيمان , ومراقبة الله واستحضار علمه في كل مكان وزمان".