ويفسد البيت لأنه لا ضمان له ولا اطمئنان ; وتفسد الجماعة لأن ذئابها تنطلق فتنهش من هنا ومن هناك:وهذا كله هو الذي يتوقاه الإسلام .
(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) راعون لأماناتهم وعهدهم أفرادا ; وراعون لأماناتهم وعهدهم جماعة . . والأمانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق الجماعة ; وفي أولها أمانة الفطرة ; وقد فطرها الله مستقيمة متناسقة مع ناموس الوجود الذي هي منه وإليه شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته , بحكم إحساسها الداخلي بوحدة الناموس الذي يحكمها ويحكم الوجود , ووحدة الإرادة المختارة لهذا الناموس المدبرة لهذا الوجود . .
والمؤمنون يرعون تلك الأمانة الكبرى فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها , فتظل قائمة بأمانتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته . ثم تأتي سائر الأمانات تبعا لتلك الأمانة الكبرى .
والعهد الأول هو عهد الفطرة كذلك . هو العهد الذي قطعه الله على فطرة البشر بالإيمان بوجوده وبتوحيده . وعلى هذا العهد الأول تقوم جميع العهود والمواثيق . فكل عهد يقطعه المؤمن يجعل الله شهيدا عليه فيه , ويرجع في الوفاء به إلى تقوى الله وخشيته .
والجماعة المسلمة مسؤولة عن أماناتها العامة , مسؤولة عن عهدها مع الله تعالى , وما يترتب على هذا العهد من تبعات . والنص يجمل التعبير ويدعه يشمل كل أمانة وكل عهد . ويصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون . فهي صفة دائمة لهم في كل حين . وما تستقيم حياة الجماعة إلا أن تؤدى فيها الأمانات ; وترعى فيها العهود ; ويطمئن كل من فيها إلى هذه القاعدة الأساسية للحياة المشتركة , الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان .
(والذين هم على صلواتهم يحافظون) . . فلا يفوتونها كسلا , ولا يضيعونها إهمالا ; ولا يقصرون في إقامتها كما ينبغي أن تقام ; إنما يؤدونها في أوقاتها كاملة الفرائض والسنن , مستوفية الأركان والآداب , حية يستغرق فيها القلب , وينفعل بها الوجدان . والصلاة صلة ما بين القلب والرب , فالذي لا يحافظ عليها لا ينتظر أن يحافظ على صلة ما بينه وبين الناس محافظة حقيقية مبعثها صدق الضمير . . ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان , بوصفها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى الله .
تلك الخصائص تحدد شخصية المؤمنين المكتوب لهم الفلاح . وهي خصائص ذات أثر حاسم في تحديد خصائص الجماعة المؤمنة ونوع الحياة التي تحياها . الحياة الفاضلة اللائقة بالإنسان الذي كرمه الله ; وأراد له التدرج في مدارج الكمال . ولم يرد له أن يحيا حياة الحيوان , يستمتع فيها ويأكل كما تأكل الأنعام .