فهي القوة والاستقامة والتصميم .
وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي . .
إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود - عليه السلام - في نفسه من ربه . .
إنه يجد هذه الحقيقة واضحة . .
إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) . .
وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا . فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها ; وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه ? وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ?
إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه , لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره , ولا مجالا للتردد عن المضي في طريقه .
إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا .
وعند هذا الحد من التحدي بقوة الله , وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة , يأخذ هود في الإنذار والوعيد:
(فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) . .
فأديت واجبي لله , ونفضت يدي من أمركم لتواجهوا قوة الله سبحانه:
(ويستخلف ربي قوما غيركم) . .
يليقون بتلقي دعوته ويستقيمون على هدايته بعد إهلاككم ببغيكم وظلمكم وانحرافكم .
(ولا تضرونه شيئا) . .
فما لكم به من قوة , وذهابكم لا يترك في كونه فراغا ولا نقصا . .
(إن ربي على كل شيء حفيظ) . .
يحفظ دينه وأولياءه وسننه من الأذى والضياع , ويقوم عليكم فلا تفلتون ولا تعجزونه هربا !
وكانت هي الكلمة الفاصلة . وانتهى الجدل والكلام . ليحق الوعيد والإنذار: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا . ونجيناهم من عذاب غليظ) .
لما جاء أمرنا بتحقيق الوعيد , وإهلاك قوم هود , نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة مباشرة منا , خلصتهم من العذاب العام النازل بالقوم , واستثنتهم من أن يصيبهم بسوء . وكانت نجاتهم من عذاب غليظ حل بالمكذبين . ووصف العذاب بأنه غليظ بهذا التصوير المجسم , يتناسق مع الجو , ومع القوم الغلاظ العتاة .
والآن وقد هلكت عاد . يشار إلى مصرعها إشارة البعد , ويسجل عليها ما اقترفت من ذنب , وتشيع باللعنة والطرد , في تقرير وتكرار وتوكيد: