فَإِنْ تَتَوَلَّوا عَمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّكُمْ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، فَقَدْ قَامَتْ عَلَيكُم الحُجَّةً بِإِبْلاغِي إِيَّاكُمْ رِسَالَةَ اللهِ الذِي بَعَثَنِي بِهَا إِلَيْكُمْ ، وَاللهُ قَادرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَكُمْ وَأَنْ يَأْتِيَ بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ يَخْلُفُونَكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ ، وَلا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا ، وَلاَ يُبَالِي رَبُّكُمْ بِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ لا تَضُّرونَهُ بِكُفْرِكُمْ وَإِعْرَاضِكُمْ ، بَلْ يَعُودُ وَبَالُ كُفْرِكُمْ عَلَيْكُمْ وَحْدَكُمْ ، وَرَبِّي رَقِيبٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ ، قَائِمٌ بِالحِفْظِ عَليهِ .
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ اللهِ بِإِهلاكِ قَوْمِ عَادٍ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ، فَأَهْلَكَهُمْ بِهَا جَمِيعًا ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَيًّا . وَنَجَّى اللهُ هُودًا وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ، مِنَ العَذَابِ الغَلِيظِ الذِي أَنْزَلَهُ بِقَوْمِ عَادٍ .
وَكَانَ ذلِكَ مَصِيرَ قَوْمٍ عَادٍ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَأَنْكَرُوا آيَاتِهِ ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ ( لأَنَّ مَنْ كّذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ الرُّسُلَ جَميعًا ) . وَاتَّبَعَ الدَّهْمَاءُ مِنْهُمْ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ ، وَقَادَتِهِم الطُّغَاةِ ، الذِينَ يَأْبَوْنَ الحَقَّ ، وَلا يُذْعِنُونَ لَهُ وَإِنْ قَامَ عَلَيهِ الدَّلِيلُ .
وَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا وَعُتُوِّهِمْ ، اسْتَحَقُّوا مِنَ اللهِ ، وَالمَلاَئِكَةِ ، وَالنَّاسِ ، لَعْنَةً فِي الدُّنْيا كُلَّمَا ذُكِرُوا ، وَتَتْبَعُهُمُ اللَّعْنَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَمَا يُنَادِى عَلَيْهِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ: أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَلا بُعْدًا لَعَادٍ قَوْمِ هُودٍ .
وكان هود من عاد . فهو أخوهم . واحد منهم , تجمعه - كانت - آصرة القربى العامة بين أفراد القبيلة الواحدة . وتبرز هذه الآصرة هنا في السياق , لأن من شأنها أن تقوم الثقة والتعاطف والتناصح بين الأخ وإخوته , وليبدو موقف القوم من أخيهم ونبيهم شاذا ومستقبحا ! ثم لتقوم المفاصلة في النهاية بين القوم وأخيهم على أساس افتراق العقيدة . ويبرز بذلك معنى انقطاع الوشائج كلها حين تنقطع وشيجة العقيدة . لتتفرد هذه الوشيجة وتبرز في علاقات المجتمع الإسلامي , ثم لكي تتبين طبيعة هذا الدين وخطه الحركي . . فالدعوة به تبدأ والرسول وقومه من أمة واحدة تجمع بينه وبينها أواصر القربى والدم والنسب والعشيرة والأرض . . . ثم تنتهي بالافتراق وتكوين أمتين مختلفتين من القوم الواحد . . أمة مسلمة وأمة مشركة . .
وبينهما فرقة ومفاصلة . . وعلى أساس هذه المفاصلة يتم وعد الله بنصر المؤمنين وإهلاك المشركين . ولا يجيى ء وعد الله بهذا ولا يتحقق إلا بعد أن تتم المفاصلة , وتتم المفارقة , وتتميز الصفوف , وينخلع النبي والمؤمنون معه من قومهم , ومن سابق روابطهم ووشائجهم معهم , ويخلعوا ولاءهم لقومهم ولقيادتهم السابقة , ويعطوا ولاءهم كله لله ربهم ولقيادتهم المسلمة التي دعتهم إلى الله وإلى الدينونة له وحده وخلع الدينونة للعباد . . وعندئذ فقط - لا قبله - يتنزل عليهم نصر الله . .
(وإلى عاد أخاهم هودا) . .
أرسلناه إليهم كما أرسلنا نوحا إلى قومه في القصة السابقة .