قام الولاء في العقيدة مقام الولاء في الدم , في كل صوره وأشكاله , وفي كل التزاماته ومقتضياته . بما في ذلك الإرث والتكافل في الديات والمغارم . .
فلما أن استقر الوجود الإسلامي بيوم الفرقان في بدر عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية , اللازمة لعملية البناء الأولى , المواجهة لتكاليفها الاستثنائية . وكان من هذه التعديلات عودة التوارث والتكافل في الديات وغيرها إلى القرابة - ولكنه في إطار المجتمع المسلم في دار الإسلام: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . .
فلا بأس بعد استقرار الوجود الفعلي للإسلام , من أولوية ذوي القربى في داخل الإطار العام . . إن هذا يلبي جانبًا فطريًا في النفس الإنسانية . ولا ضرر من تلبية المشاعر الفطرية في النفس الإنسانية , ما دام أن ليس هناك ما يعارض هذه المشاعر من تكاليف الوجود الإسلامي . . إن الإسلام لا يحطم المشاعر الفطرية ; ولكنه يضبطها . يضبطها لتستقيم مع الحاجات العليا للوجود الإسلامي ; فمتى انقضت هذه الحاجات عاد يلبيها - في إطاره العام . ومن ثم تكون لبعض الفترات الاستثنائية في الحركة تكاليفها الخاصة , التي ليست واردة في الأحكام النهائية للإسلام , التي تحكم المجتمع الإسلامي المستقر الآمن في حياته العادية . .
وكذلك ينبغي أن نفقه تكاليف مرحلة البناء الأولى ; وطبيعة الإسلام العامة وأحكامه الأخرى . .
إن الله بكل شيء عليم . .
وهو التعقيب المناسب على هذه الأحكام والتنظيمات والمشاعر , وتداخلها وتنظيمها وتنسيقها . فهي من العلم المحيط بكل شيء . علم الله تعالى . .
وبعد فإن الإسلام - وهو يبني الأمة المسلمة على هذه القاعدة وفق هذا المنهج ; ويقيم وجودها على أساس التجمع العضوي الحركي ; ويجعل آصرة هذا التجمع هي العقيدة - إنما كان يستهدف إبراز"إنسانية الإنسان"وتقويتها وتمكينها , وإعلاءها على جميع الجوانب الأخرى في الكائن الإنساني . وكان يمضي في هذا على منهجه المطرد في كل قواعده وتعليماته وشرائعه وأحكامه
إن الكائن الإنساني يشترك مع الكائنات الحيوانية - بل الكائنات المادية - في صفات توهم أصحاب"الجهالة العلمية !"مرة بأنه حيوان كسائر الحيوان ; ومرة بأنه مادة كسائر المواد ! ولكن الإنسان مع اشتراكه في هذه"الصفات"مع الحيوان ومع المادة له"خصائص"تميزه وتفرده ; وتجعل منه كائنًا فريدًا - كما اضطر أصحاب"الجهالة العلمية !"أخيرًا أن يعترفوا والحقائق الواقعة تلوي أعناقهم ليا , فيضطرون لهذا الاعتراف في غير إخلاص ولا صراحة !
والإسلام - بمنهجه الرباني - يعمد إلى هذه الخصائص التي تميز"الإنسان"وتفرده بين الخلائق ; فيبرزها وينميها ويعليها . .