(والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر , إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) . .
وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين - التي أسلفنا - ومع منهجه الحركي الواقعي . فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم ; ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية . . ولكن هناك رابطة العقيدة ; وهذه لا ترتب - وحدها - على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد ; اللهم إلا أن يعتدي عليهم في دينهم ; فيفتنوا مثلًا عن عقيدتهم . فإذا استنصروا المسلمين - في دار الإسلام - في مثل هذا , كان على المسلمين أن ينصروهم في هذه وحدها . على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع معسكر آخر . ولو كان هذا المعسكر هو المعتدي على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم !
ذلك أن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم وخطته الحركية وما يترتب عليها من تعاملات وعقود . فهذه لها الرعاية أولًا , حتى تجاه الاعتداء على عقيدة أولئك الذين آمنوا , ولكنهم لم ينضموا للوجود الفعلي لهذا الدين المتمثل في التجمع الإسلامي . . . . وهذا يعطينا مدى الأهمية التي يعلقها هذا الدين على التنظيم الحركي الذي يمثل وجوده الحقيقي . .
والتعقيب على هذا الحكم: (والله بما تعملون بصير) . .
فكل عملكم تحت بصره - سبحانه - يرى مداخله ومخارجه , ومقدماته ونتائجه , وبواعثه وآثاره
وكما أن المجتمع المسلم مجتمع عضوي حركي متناسق متكافل متعاون يتجمع في ولاء واحد , فكذلك المجتمع الجاهلي: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) . .
إن الأمور بطبيعتها كذلك - كما أسلفنا . إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد ; إنما يتحرك ككائن عضوي , تندفع أعضاؤه , بطبيعة وجوده وتكوينه , للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه . فهم بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا . .
ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص , ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى . فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض , فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده . ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام ; وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ; ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى . وهو أفسد الفساد: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . .
ولا يكون بعد هذا النذير نذير , ولا بعد هذا التحذير تحذير . .