هذا الفتى الصغير , ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم . .
وكانت هنالك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله . فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت , ويرثه إبنه سليمان , فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل ; جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود:
(وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) . .
وكان داود ملكا نبيا , وعلمه الله صناعة الزرد وعدة الحرب مما يفصله القرآن في مواضعه في سور أخرى . .
أما في هذا الموضع فإن السياق يتجه إلى هدف آخر من وراء القصة جميعا . .
وحين ينتهي إلى هذه الخاتمة , ويعلن النصر الأخير للعقيدة الواثقة لا للقوة المادية , وللإرادة المستعلية لا للكثرة العددية . .
حينئذ يعلن عن الغاية العليا من اصطراع تلك القوى . .
إنها ليست المغانم والأسلاب , وليست الأمجاد والهالات . .
إنما هو الصلاح في الأرض , وإنما هو التمكين للخير بالكفاح مع الشر:
(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . ولكن الله ذو فضل على العالمين) . .
وهنا تتوارى الأشخاص والأحداث لتبرز من خلال النص القصير حكمة الله العليا في الأرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقات وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموار . وهنا تتكشف على مد البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس , في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات . .
ومن ورائها جميعا تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعا , وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق , إلى الخير والصلاح والنماء , في نهاية المطاف . .
لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض . ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة , لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع , فتنفض عنها الكسل والخمول , وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة , وتظل أبدا يقظة عاملة , مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة . .
وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء . .
يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة . تعرف الحق الذي بينه الله لها . وتعرف طريقها إليه واضحا . وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض . وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب