التي يغزو معها على شيء من معاصي ا لله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا. وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريق المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا] [1] .
قلت: وقد أَخَذَتْ هذه المسألة من الاستقرار ما جعلها تُدَوَّن ضمن مسائل اعتقاد أهل السنة والجماعة، كما نقلته عن شرح العقيدة الطحاوية في الباب الثالث، ومما ورد فيه (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يُبطلهما شيء ولا ينقضهما) [2] .
مما سبق ترى أن الجهاد مع الفاسق متبوعا كان أم تابعا جائز إجماعا، وقد يجب إذا لم يمكن دفع الكفار إلا بالجهاد مع الفساق كما قال ابن تيمية رحمه الله في كلامه السابق.
والأصل في هذه المسألة هو أن الجهاد مخاطب به الذين آمنوا كما قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ} [3] ، وغيرها من الآيات، فهذه الآية خطاب للمؤمنين بالجهاد، ومن هؤلاء من له ذنوب {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فدلت الآية على أن إلمام المؤمن بالذنوب لا يُسقْط مخاطبته بالجهاد. والفاسق وإن عظمت ذنوبه فإنه لا يسلب الإيمان بالكلية، فإن معه مطلق الإيمان (أي الحد الأدنى منه) الموجب لتكليفه بالشرائع، وإن لم يكن معه الإيمان المطلق (أي الكامل) واجتماع الطاعة والمعصية في العبد من عقيدة أهل السنة، وهذا مستفاد من القاعدة العمة وهي أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ـ وقد سبق بيان هذا ـ ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري عن عمر - رضي الله عنه - (أن رجلا كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان اسمه عبد الله، وكان يلقب حِمَارا، وكان يُضْحِكُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جَلَدَه في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تلعنه، فوالله ما علمت، إنه يحب الله ورسوله» ) ، فهذا الصحابي رغم معصيته بشرب الخمر إلا أن معه من الطاعة كمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،
(1) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 506 ـ 508
(2) - شرح العقيدة الطحاوية ط المكتب الإسلامي 1403هـ ص 437
(3) - سورة الصف، الآيات: 10 ـ 11 ـ 12