ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلًا تكافح قوى الطغيان والشر والباطل ، اعتمادًا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر ، وعمق الخير في القلوب . فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر . وللصبر حد وللاحتمال أمد ، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه . والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم . ومن ثم لم يشأ ان يترك المؤمنين للفتنة ، إلا ريثما يستعدون للمقاومة ، ويتهيأون للدفاع ، ويتمكنون من وسائل الجهاد . . وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان .
وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } . .
وأنه يكره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتمًا: { إن الله لا يحب كل خوان كفور } . .
وأنه حكم لهم بأحقية دفاعهم وسلامة موقفهم من الناحية الأدبية فهم مظلمون غير معتدين ولا متبطرين: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } . .
وأن لهم أن يطمئنوا إلى حماية الله لهم ونصره إياهم: { وان الله على نصرهم لقدير } . .
وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة ، لا يعود خيرها عليهم وحدهم ، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها؛ وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة . وذلك فوق انهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } . . وهي أصدق كلمة أن تقال ، وأحق كلمة بأن تقال . ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم . فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين . وهو التجرد من كل هدف شخصي من ناحية المعتدى عليهم ، إنما هي العقيدة وحدها من أجلها يخرجون ، لا الصراع على عرض من أعراض هذه الأرض ، التي تشتجر فيها الأطماع؛ وتتعارض فيها المصالح؛ وتختلف فيها الاتجاهات وتتضارب فيها المنافع!
ووراء هذا كله تلك القاعدة العامة . . حاجة العقيدة إلى الدفع عنها: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا } . .
والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان ، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع ، والصلوات أماكن العبادة لليهود . والمساجد أماكن العبادة للمسلمين .
وهي كلها معرضة للهدم على قداستها وتخصيصها لعبادة الله لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها ، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض . أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ، ويعتدون على أهلها . فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول .