أيها المسلمون، ويتابع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسالته القيمة فيقول: (وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة) ، أي أن من أسباب نصر الله للمؤمنين معاصي أعدائهم، ولولا ذلك لم تكن للمسلمين غلبة على أعدائهم، لأن عدد المسلمين أقل عددًا من الأعداء، ولأن عدة المسلمين لم تكن كعدتهم، وإن استوى الطرفان، أي المسلمون والأعداء في المعصية، كانت الغلبة للأعداء كما نلحظ في أيامنا هذه.
أيها المسلمون، من المعلوم أن المسلمين عبر التاريخ لم يسبق لهم أن انتصروا على أعدائهم بسبب زيادة في العدد أو العدة، فما من معركة انتصر بها المسلمون إلا وكان الأعداء أكثر منهم عددًا وعدة، إنما انتصر المسلمون على الأعداء بتقوى الله والتزام الشريعة الإسلامية والابتعاد عن المعاصي، والله رب العالمين يقول في معركة بدر: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123] ، أي وأنتم ضعاف، وعددكم قليل، وهذا يؤكد بأن نصر المسلمين لم يكن في يوم من الأيام مرتبطًا بالقوة المادية، ولا يعني هذا إهمال القوة المادية، ولكن ليست هي العامل الأساس في النصر، والدليل على ذلك ما حصل قبيل معركة اليرموك، فقد قال أحد الجند من المسلمين: ما أكثر الروم وما أقل العرب! لأن الروم عددهم كثير، فأجابه قائدهم: لا بل قل: ما أكثر العرب وما أقل الروم، فالعبرة يا مسلمون ليست بالعدد، بل بالكيف والنوع، وانتصر المسلمون على الروم رغم التفاوت في العدد.
أيها المسلمون، إن انتشار المعاصي بين المسلمين في هذا الوقت لمؤشر على الهزيمة المستمرة، فلا بد من العودة إلى الله رب العالمين، وبالدعاء والتضرع له مع إعداد العدة، ليحقق الله وعده، وليُجري النصر للمؤمنين، فالنصر من الله رب العالمين لمن يستحق النصر، وأي شك في ذلك هو شك بالإيمان، وهو عين الهزيمة.
أيها المسلمون، والسؤال بالمقابل: كيف يكون نصر الله للمؤمنين؟
إن الله العلي القدير العزيز الجبار لا يعوزه أي أسلوب من الأساليب، ولا أي شكل من أشكال النصر للمؤمنين، فيقول الله عز وجل في سورة المدثر: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31] ، ويتمثل جند الله أحيانًا بالملائكة كما حصل في معركة بدر، لقوله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] ، ويقول سبحانه وتعالى أيضًا في سورة الأنفال: إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ الَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الاعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] .
أيها المسلمون، قد يقول قائل: نحن الآن في عصر الصواريخ والأقمار الصناعية والبوارج البحرية، وهذه الأساليب الحديثة المتطورة هي التي تقرر النتائج وتحسم الموضوع، فما علاقة نصر الله وقدرته في