والحق اضمحلالًا لايقوم بعده أبدًا فقد ظن بالله ظن السوء ونَسَبَهُ إلى خلاف مايليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمْده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك وتأبى أن يُذل حزبه وجنده وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به فمن ظن ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله .
[ تأمله فإنه كلام نفيس للغاية منطبق على مانحن فيه من وجوه عديدة حيث ظن أكثر الخلق برب العالمين سبحانه ظن السوء وظن الجاهلية حيث اعتقدوا أن الله يُضَيّع للأفغان والعرب الذين معهم سعْيهم بإقامة دينه وشرعه ومُنابذتهم أعدائه وجهادهم إياهم وأنه يخذلهم وينصر الكفار عليهم ] .
ثم قال رحمه الله: ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير وهو ابتلاء مافي صدورهم وهو اختبار مافيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، والمنافق ومَن في قلبه مرض لابد أن يظهر مافي قلبه على جوارحه ولسانه .
[ لقد ظهر من كثيرين مكنونات سوء يصعب حصر ما ظهر منها وما خفي أكثر، ومن ذلك ماكتب بعض المعتوهين عن المجاهدين في بعض الجرائد من قوله في إجابته المعترضين عليه لما يظهر من بغضه للمجاهدين، يقول: (أحسن الله عزاءك في أُسامتك وطالبانك) ويقول أهلكه الله ساخرًا: ( فلا طالبان ولا حالِمان ) .
وأهل الإيمان ولله الحمد على يقين لا يتزعزع أن الله سوف يُخلف ظنون المنافقين ومرضى القلوب الظانين بالله الظن الذي لا يليق به سبحانه كما أخلف ظنون إخوانهم مِن قبل بنصره للحق ولمن قام به وكبْته لأعدائه وخذلانهم وموتهم بغيظهم .
وقد ظهرت ولله الحمد بشائر النصر وتحقق قول الله عزل وجل في الكفار والمنافقين: { ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولوْ كثرت وأن الله مع المؤمنين } فما زالت ولله الحمد القوارع الإلهية والآيات الربانية تتابع على أعداء الله مثل الرعب وهو جند من جند الإله العظيم وغير ذلك من الخسران والخذلان والأمراض والجراد والطوفان والأعاصير والحرائق والزلازل واختلافهم فيما بينهم وغير ذلك مما يؤيّد الله به عباده المؤمنين ويخذل أعداءه الكافرين وما زلنا في انتظار المزيد من الولي الحميد، قال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} .
ثم قال ابن القيم قدّس الله روحه: ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتيمز فيه أحد الفريقين من الآخر تميّزًا ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلُّم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون وسمعوا رَدّ الله عليهم وجوابه لهم وعرفوا مؤدّى النفاق وما يؤول إليه ، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمه على المؤمنين سابغة وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما، انتهى باختصار .