فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 2003

لِتَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمَاعَةٌ مُتَخَصِّصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ تَعْرِفُ أَسْرَارَ الأَحْكَامِ ، وَحِكْمَةَ التَّشْرِيعِ وَفِقْهَهُ ، تَتَولَّى القِيَامَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّين ، وَتَأمُرُ بِالمَعْروفِ ، وَتُحَارِبُ المُنْكَرَ ، وَتَنْهَى عَنْهُ ، وَمِنْ وَاجِبِ كُلِّ مُسْلِمِ أنْ يُحَارِبَ المُنْكَرَ مَا اسْتَطَاعَ إلى ذَلِكَ ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ .

يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَكُونُوا كَأهْلِ الكِتَابِ الذِينَ تَفَرَّقُوا فِي الدِّينِ ، وَكَانُوا شِيعًا تَذْهَبُ كُل شِيعَةٍ مِنْهَا مَذْهَبًا تَدْعُو إليهِ ، وَتُخَطِّئُ غَيْرَها ، وَلِذَلِكَ تَعَادَوْا وَاقْتَتَلُوا .

وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ ، وَتَتَّجِهُ إلى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَمَا تَفَرَّقُوا ، وَلَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . وَهَؤُلاءِ المُخْتَلِفُونَ المُتَفَرِّقُونَ لَهُمْ عَذَابٌ وَخُسْرَانٌ فِي الدُّنيا ، وَعَذَابٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ ..

إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم . فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة ، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه:

ركيزة الإيمان والتقوى أولًا . . التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل . . التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } . .

اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدًا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدّت له أشواق . وكلما اقترب بتقواه من الله ، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى . وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام!

{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } . .والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه . فمن أراد ألا يموت إلا مسلمًا فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلمًا ، وأن يكون في كل لحظة مسلمًا . وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع: الاستسلام . الاستسلام لله ، طاعة له ، واتباعًا لمنهجه ، واحتكامًا إلى كتابه . وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها ، على نحو ما أسلفنا .

هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها . إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعًا جاهليًا . ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية . ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية .

فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة . . الأخوة في الله ، على منهج الله ، لتحقيق منهج الله: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانًا . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } . .فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام . . من الركيزة الأولى . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت