إن من يستشعر مثل هذا ليس له منطلق إلا الإسلام، فإنه سيوقن ولا ريب أن المسلمين أصحاب دين لا يموت، ولا ينبغي له أن يموت، مهما هبّت الأعاصير، وادلهمت الخطوب، وهو باقٍ خالد إلى قيام الساعة، وعندما يشرئبُّ أعداؤه أن تُشيَّع جنازته فإنهم سيُصعقون ببزوغ شمسه من جديد.
كما أنه ينبغي علينا جميعًا أن ندرك جيدًا بأن انتصار المسلمين وانكسارهم لا يرجع إلى قوة أعدائهم أو ضعفهم، وإنما الانتصار والانكسار في الحقيقة يعودان إلى الأمة الإسلامية نفسها، فإذا وحَّدت كلمتها، ومن قبل ذلك وحّدت ربها، ولزمت أمره، وأقامت حقَّه، فإنها منصورة لا محالة، (إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ) [محمد: 7] .
والقلة والكثرة ليست هي المعيار الحقيقي فقد انتصر المسلمون في بدر وهم قلة أذلة، ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ) [آل عمران: 123] ، ثم هُزموا في حُنين وهم كثرة كاثرة، ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة: 25] .
والمسلمون ـ عباد الله ـ إنما ينتصرون إذا أحسنوا علاقتهم بالله، وعزموا على نصرة دين الله، فإن من لا يعرف إلا الله لن يغلبه من لا يعرف الله، ومن لا يعرف إلا الحق لن يغلبه من لا يعرف إلا الباطل.
(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 160] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله، إنه كان غفارًا.
[1] يشير إلى وصف النبي لأئمة الضلال حيث قال فيهم: (( وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ) )أخرجه مسلم في الإمارة (1847) من حديث حذيفة - رضي الله عنه -.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه المتقين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس، إن العجب كلَّ العجب أن تسفُل النفس المؤمنة حتى لا تطلب رفعةً، أو تقنط حتى لا يكون لها أملٌ.