منهما قذفته في النار") ( [1] ) والظلمُ مرتعهُ وخيم، والمكرُ السيئُ لا يحيقُ إلاَّ بأهله، تلك معانٍ وحقائقَ يُعرضُها علينا القرآن في أكثرِ من مشهد، وغيرَ واحدٍ من المواقفِ والقصصِ في أخبارِ السابقين، ولكنَّها تتجلى بشكلٍ واضح، ويزدادُ تكرارُها في القرآن في قصةِ موسى- عليه السلام- وفرعونَ اللعين، بشكلٍ مُلفتٍ للنظرِ لمن تمعن في قصصِ القرآن، فلماذا يكثرُ ذكرُ قصةِ مُوسى- عليه السلام- مع فرعون في القرآن؟"
وقد أجابَ أهلُّ التفسيرِ عن ذلك بأنَّها من أعجبِ القَصص، أمَّا وجهُ العجبِ فقالوا: إنَّ فرعونَ حذَّرَ من موسى كلَّ الحذرِ، فسخَّرهُ اللهُ أن ربَّى هذا الذي يُحذِّرُ منه على فراشهِ ومائدتهِ بمنزلةِ الولد، ثُمَّ ترعرعَ وعقدَ اللهُ لهُ سببًا أخرجهُ من بينَ أظهرهم، ورزقهُ النبوةَ والرسالةَ والتكليم، وبعثهُ اللهُ إليه ليدعوهُ إلى الله تعالى ليعبده ويرجعُ إليه، هذا مع ما كانَ عليه فرعون من عظمةِ المُلكِ والسُلطان، فجاءهُ برسالةِ اللهِ وليس لهُ وزيرٌ سوى أخيهِ هارون- عليه السلام- فتمردَ فرعونُ واستكبر وأخذتهُ الحميةَ والنفسَ الخبيثة الأبية، وركبَ رأسهُ وتولى بركنهِ، وادَّعى ما ليس له، وتهجمَ على اللهِ وعتا وبغى، وأهانَ حزبُ الإيمانِ من بني إسرائيل، واللهُ تعالى يحفظُ رسولهُ موسى وأخاهُ هارون- عليهما السلام- ويُحوطُهما بعنايتهِ ويحرُسهما
بعينهِ التي لا تنام، ولم تزل المُحاجَّةُ والمجادلةُ والآياتُ تقومُ على يدي موسى شيئًا بعد شيء، ومرةً بعد مرة، مما يُبهرُ العقولَ ويُدهِشُ الألبابَ مما لا يقومُ له شيء، ولا يأتي به إلاَّ من هو مُؤيدٌ من الله، وصمَّمَ فرعونُ وملأهُ- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله، والجحودِ والعنادِ والمكابرةِ حتى أحلَّ الله بهم بأسهُ الذي لا يُرد، وأغرقهم في صبيحةٍ واحدةٍ أجمعين، (( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ) ( [2] ) فهل من مُد كر؟ وكيف وقعَ الغرقُ؟ وما هي عاقبةُ الظلمِ والطغيان؟ وكيف نستفيدُ من قصصِ القرآن؟
تلك أسئلةٌ مهمةٌ، ومفتاحُ الإجابةِ عليها في أمثالِ قولهِ تعالى: (( وإذ فرقنا بكم
البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون )) ( [3] )
وفي قولهِ تعالى: (( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين* الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) ) ( [4] ) . وتأويلُ ذلك: أن بني إسرائيلَ حين خرجوا من مصرَ صُحبةَ موسى- عليه السلام- وهم فيما قيلَ سُتمائة ألف مُقاتل سوى الذُرية- ويُقال: إنَّ إسرائيلَ وهو- يعقوبُ عليه السلام- حين دخلَ مصرَ دخلها في ستةٍ وسبعين نفسًا من ولده وولد ولده، فأنمى اللهُ عددهم، وباركَ في ذريتهم ( [5] ) وكان بنو إسرائيلَ حين خرجوا قد استعاروا من القبطِ (حُليًَّا كثيرًا ومتاعًا، وأحلَّ اللهُ ذلك لبني إسرائيل) ( [6] ) فخرجوا به معهم، فاشتدَّ حنقُ فرعونَ عليهم، فأرسلَ في المدائنِ