فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 2003

هل نتحدثُ يا مسلمون عن الأسودِ المزمجرة، والصواعقِ المدمرة ، عن الرجالِ حقًا والأبطال صدقًا، والذين رسموا بدمائهم وصمودهم أجملَ لوحاتِ العزِّ والشرف، في زمنِ الضعف والوهن، والذين مرغوا وجهَ الصليبية، وأرغموا أنوف الحاقدين وأثبتوا للعالم أنَّ القوةَ قُوة الحقِّ، وأنَّ النصرَ مع الصبر، وأنَّ في أمةِ الإسلام (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) ) (الأحزاب: من الآية23) ، لا يلتفتون إلى الوراءِ، ولا ترهبهم قوةُ الأعداء ولا تثبطهم أقاويل المرجفة،

إنَّ ما يجري يا مسلمون على أرضِ العراق إنَّما هو نصرٌ وعز، ولو قُتل من قُتل، وجُرح من جُرح وأُسر من أسر، ولو سقطت مدنٌ، وخربت بيوتٌ، ليس النصر في ميزان الإسلام مدينة تفتح، أو بلدة تسرق، وإنَّما هو انتصارُ القيمِ والمبادئ، وارتفاعُ رايةَ الحقِّ .

إنَ الناسَ يُقصرون معنى النصر على صورةٍ معينة، معهودةٍ لهم قريبةَ الرؤيةِ لأعينهم ، ولكن صورُ النصر شتى، وقد يتلبس بعضها بصورة الهزيمةِ عند النظرة القصيرة .

إنَّ وعدَ اللهِ قاطعٌ جازم (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا ) ) (غافر: من الآية51) .

بينما يُشاهدُ الناس أنَّ الرسلَ منهم من يُقتل ومنهم من يُهاجر من أرضهِ وقومهِ مكذبًا مطرودًا ، وأنَّ المؤمنين منهم من يسام العذاب، ومنهم من يُلقى في الأخدود ، ومنهم من يُستشهد، ومنهم من يعيشُ في كربٍ وشدةٍ واضطهاد، فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ إنَّ الناسَ يعيشون بظواهرِ الأمورِ، وبفترةٍ قصيرةٍ من الزمان، وحيزٍ محدودٍ من المكان ، وإنما النصرُ أوسع وأشمل ، وكم من شهيدٍ ما كان يملكُ أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عامٍ كما نصرها يوم استشهاده، وإنَّ أعظمَ أنواع النصر: النصرُ على الذات والشهوات ، والسيطرةُ على الأهواءِ والمغريات، إنَّ معركة الإسلام مع الصليبيةِ لا تتوقفُ عند حدِّ فتح مدينة، والسيطرة على موقع ، ولكنَّها حربٌ طويلة الأمد .

فنهايتها تحقيقُ الغاية التي ذكر الله، (( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) (التوبة: من الآية29) وحتى تصل الأمة إلى هذه الغاية، فلا بُدَّ من تضحياتٍ وبذل، وإنَّ كلَّ نقطة دمٍ من نفسٍ مسلمةٍ زكية لن تضيعَ عند الله سُد ى، ولن تذهب هدرًا ، وإنَّما هي خطوةٌ لطريقِ النصر، ووقودٌ لنارِ العزة، ومنارات لمعالمِ القبلةِ والفتحِ المبين، فتحُ مكة لم يكن وليد تخطيط شهرٍ أو سنةٍ، لكن نتاجَ كفاحٍ دامٍ ثلاثةَ عشر عامًا في مكة ، وهو ثمنُ دماءٍ أُريقت في بدرٍ وأحد، وجزاء نفوسٍ أُزهقت فداءً لدين الله .

فتحُ مكة لم يأت باردًا جاهزًا ، لكنهُ أتى تتويجًا لدم زكي، قد خرج من عقبي النبي- صلى الله عليه وسلم- وثمنًا للبلاءِ والإيذاءِ الذي تعرض له المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام .

فتحُ مكةَ رسمَ معالمهُ دمُ أبي عمار وزوجه سمية ، وخط خطوطهُ أنين بلال وعمار، وخبا بٌ وصهيب، تحت سياط العذاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت