فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 2003

إن السمة الأولى المميزة لطبيعة ( المجتمع المسلم ) هي أن هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله .. هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله

وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي ، كما تتمثل في الشعائر التعبدية ، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء .

فليس عبدًا لله وحده من لا يعتقد بوحدانية الله سبحانه:

* وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ * ... [ النحل: 51 - 52 ]

ليس عبدًا لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله - معه أو من دونه:

* قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * [ الأنعام: 162 - 163 ]

وليس عبدًا لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الله ، عن الطريق الذي بَلَّغَنَا الله به ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

* أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ * [ الشورى: 21 ]

* وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا * [ الحشر: 7 ]

هذا هو المجتمع المسلم . المجتمع الذي تتمثل العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم ، كما تتمثل في شعائرهم وعبادتهم ، كما تتمثل في نظامهم الجماعي وتشريعاتهم .. وأيما جانب من هذه الجوانب تخلف عن الوجود فقد تخلف الإسلام نفسه عن الوجود . لتخلف ركنه الأول ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .

ولقد قلنا: إن العبودية لله تتمثل في"التصور الاعتقادي".. فيحسن أن نقول ما هو التصور الاعتقادي الإسلامي .. إنه التصور الذي ينشأ في الإدراك البشري من تلقيه لحقائق العقيدة من مصدرها الرباني ، والذي يتكيف به الإنسان في إدراكه لحقيقة ربه ، ولحقيقة الكون الذي يعيش فيه - غيبه وشهوده - ولحقيقة الحياة التي ينتسب إليها - غيبها وشهودها - ولحقيقة نفسه .. أي لحقيقة الإنسان ذاته .. ثم يكيف على أساسه تعامله مع هذه الحقائق جميعًا ، تعامله مع ربه تعاملًا تتمثل فيه عبوديته لله وحده ، وتعامله مع الكون ونواميسه ومع الأحياء وعوالمها ، ومع أفراد النوع البشري وتشكيلاته تعاملًا يستمد أصوله من دين الله - كما بَلَّغَهَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحقيقًا لعبوديته لله وحده في هذا التعامل .. وهو بهذه الصورة يشمل نشاط الحياة كله .

فإذا تقرر أن هذا هو"المجتمع المسلم"، فكيف ينشأ هذا المجتمع ؟ ما منهج هذه النشأة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت