وما سبق من حديث إنما هو عن الجهة الأولى، فقد أوضحنا المعالم الرئيسة للسياسة الأمريكية في المنطقة وفي العالم.
أما ما يخص الجهة الثانية وهي دول المنطقة فقد أسلفنا أيضًا أن قيادتها بين أمرين إما أن تترك السلطة أو تقبل بأن تكون كسفير للولايات المتحدة في البلاد، هذا باختصار.
علمًا أن هاجس إزاحة الأنظمة عن السلطة سوف يتملك قلوب حكام المنطقة، فهؤلاء الحكام على استعداد لبيع كل شيء حتى الآباء والأبناء والأخوة مقابل البقاء في السلطة، فانظر ماذا فعل فيصل في أخيه سعود، وانظر ماذا فعل أبناء سعود وبعض إخوانه بفيصل عندما اغتالوه، وانظر كيف فعل ملك الأردن حسين بأبيه، وماذا فعل قابوس بوالده أيضًا، وأخيرًا نفي أمير قطر لوالده وتولي السلطة، والقائمة طويلة ولم ولن تنتهي، والجامع لكل هذه الأعمال حب السلطة والرياسة والملك، فإذا كانت هذه الشهوة، دفعتهم لارتكاب أبشع الجرائم في حق أقرب الناس إليهم، فهل ستمنعهم من ارتكاب أضعافها ضد الأبعدين من أبناء الشعب، وبمراجعة بسيطة لسجل القتل والسجن والتنكيل والتعذيب لكل دول المنطقة، نجد أن أكبر المسحوقين في هذه الدول هي الحركات أو المنظمات ذات المطالب السياسية أو الإصلاحية، فعدو هذه الحكومات الأول هي هذه الشخصيات، فإذا كانت من قديم عهدها تستهدف هؤلاء فكيف سيكون الحال الآن بعد أن أصبحت أمريكا اليوم هي من يضغط للقيام بمثل هذه الأعمال، أمريكا تتبجح وتنادي بحقوق الإنسان، وتنادي بالحرية الدينية والسياسية، تنادي بشعارات طويلة عريضة، ولكن عند اختبار أي شعار من هذه الشعارات على واقع الدول العربية تجد أنه سقط سقوطًا لا قيام بعده، فأمريكا هي التي تدعم هذه الأنظمة وهي التي تدفعها لاتخاذ إجراءات أشد وأبشع ضد شعوبها لضمان سيطرتها على المنطقة.
أمريكا تتبجح اليوم بأنها تمكنت من القضاء على الدكتاتورية العراقية التي سحقت الشعب العراقي، وفي نفس الوقت تشيد بالحكومة الأردنية وهي من دكتاتوريات المنطقة، وهي أكثر سحقًا للشعب الأردني والفلسطيني من نظام صدام للشعب العراقي، وتستمر إشادتها بالنظام السعودي والمصري والمغربي والتونسي وغيرها من الأنظمة الحليفة لها، وكل هذه الأنظمة أنظمة دكتاتورية تسحق شعوبها وتملأ سجونها، ولا تسمح بأية حرية سياسية على الإطلاق، فأين الديمقراطية المزعومة؟ إذا أمريكا لها مكيالان عفوًا لها مكاييل كثيرة، كل قضية لها مكيال خاص بها، فالقضايا السياسية لها مكاييل خاصة بكل دولة، والقضايا الاقتصادية، والعسكرية والتسليحية، وهكذا.
وخلاصة القول أن الدول العربية اليوم تحتاج إلى الشفافية ولكن ليس مع شعوبها، بل مع أمريكا، فتحتاج إلى أن تعترف بأنها ما هي إلا خادمة لأمريكا، تقوم على رعاية مصالحها، وإزالة كل الأخطار التي تهددها، وضمان استمرار تدفق النفط، ولو قصرت هذه الدول بشيء من ذلك، فهي معرضة للانقلاب كما حصل مع نظام صدام، فهو النظام المدعوم من أمريكا عندما وصل السلطة عبر الانقلاب، وهو النظام المدعوم من أمريكا والمنطقة في حرب إيران، وبعد أن بدأ يقوى وخشيت أمريكا من ضرره، زينت له غزو الكويت ودفعته لذلك، وظن هو أنها ستبقى مكتوفة الأيدي كما ألمحت له بذلك السفيرة الأمريكية في بغداد قبل غزو الكويت بأسبوع تقريبًا، وتجرأ وأقدم على الغزو بعد صدور الضوء الأخضر من أمريكا، فأكل الغبي الطعم، و أمريكا لا عهد لها ولا ميثاق فانقلبت عليه وجرعته السم، فاضطر لمواجهتها لمدة عقد من الزمان، إلا أنه انهار في نهاية المطاف، فالدول العربية ستمر بنفس مرحلة نظام صدام، وما عليها إلا أن تسير نحو ما تريد لها أمريكا، فهي مسيرة لا مخيرة.