وفي نهاية الحديث عن دور أمريكا وإسرائيل في المنطقة لابد أن نؤكد بأن المنطقة والعالم سيواجهان قلاقل سياسية ستنعكس عليهما من القلاقل السياسية التي تواجهها أمريكا داخليًا، فمن عادة الإدارات الأمريكية جميعها الهروب من مشاكلها الداخلية بافتعال مشاكل خارجية وإشغال الرأي العام والعالم بها، فعلى الصعيد الأمريكي فهناك مشاكل سياسية كبيرة جدًا ابتداءً من النزاع بين الصقور والحمائم، والنزاع بين الحزبين، وقانون الطوارئ المفروض ضمنًا منذ أحداث سبتمبر، والأحاكم العرفية التي ألغت القانون الأمريكي واستحدثت قوانين جديدة خارجة من البيت الأبيض، إلى النزاع بين وزارتي الخارجية والدفاع ومن يدير السياسة الخارجية الأمريكية، وكم كبير من القضايا السياسية المحتدمة في أمريكا بين طرفين أوعدة أطراف شعبية كانت أو حكومية، حتى الضعف أو الانهيار الاقتصادي الأمريكي، سينعكس على العالم بالتأكيد، ومن آخر المشاكل السياسية في أمريكا تجدد مطالبة ولاية نيويورك بالانفصال عن الولايات المتحدة، وهذه الدعوة ليست جديدة بل هي دعوة قديمة جدًا، وليست هذه هي الولاية الوحيدة التي تطالب بالانفصال بل هناك أكثر من سبع ولايات تطالب بنفس المطلب، ويقول بتر فالون الابن عضو مجلس مدينة نيويورك في تبرير طلب انفصال الولاية: (القضية بسيطة للغاية وأن المدينة تدفع ضرائب قيمتها 3.5 مليارات دولار لولاية نيويورك ولا تحصل في المقابل على خدمات بهذا المبلغ) ويضيف فالون (نريد استرداد أموالنا، في الماضي كانت فكرة الانفصال مجرد فكرة رومانسية حالمة أما الآن فقد تكون طوق النجاة الوحيد بالنسبة للمدينة) وكما قلنا فإن هذه المطالبة ليست جديدة، فقد طالب الروائي نورمان ميللر باستقلال المدينة عام 1388هـ 1969م خلال حملته الانتخابية للفوز برئاسة بلدية المدينة، كما ترجع الفكرة إلى القرن التاسع عشر حين اقترح رئيس بلدية يدافع عن الرق انفصال نيويورك خلال الحرب الأهلية الأمريكية.
ولا يمكن لأمريكا أن تسكت هذه الأصوات في الداخل وتنهي هذه المطالبات إلا بافتعال قضايا خارج حدودها تشغل بها الرأي العام وتشغل العالم أيضًا عن التركيز على مشاكلها الاقتصادية والسياسية، وفشلها السياسي ومشاكلها السياسية نشاهد أنها تنعكس على العالم وعلى المنطقة خاصة بشكل مباشر، فهذا عامل مهمة لمعرفة مؤشر المشاكل الجديدة في العالم، فكلما زادت الفضائح داخل الإدارة الأمريكية أو الكونجرس، وزاد الصراع في أمريكا، زادت معه قضايا العالم الساخنة، وإدارة بوش على وجه التحديد، هي أعظم الإدارات إخفاقًا على على مستوى الداخل الأمريكي، لذلك أصبحت هي أكثر الإدارات حروبًا وغطرسة في العالم، فالإدارات الأمريكية ترى أنها لن توحد الداخل وتنسيه مشاكله إلا بافتعال عدو خارجي جديد يضمن الوحدة الوطنية، ويضمن وصف الوضع بأنه وضع حرب لا يسمح فيه لأحد بانتقاد الإدارة أو أي نوع من الفرقة الداخلية، وهكذا تستطيع الإدارات الأمريكية أن تضرب المسكنات للمجتمع الأمريكي، بافتعال مشاكل في العالم، ولكن سوف يأتي اليوم الذي يصبح المسكن فيه عديم الفائدة أو منتهي الصلاحية ليسبب التسمم الذي يؤدي إلى الوفاة، وهذا نأمل أنه قريب بإذن الله تعالى.
الملامح السياسية لدول المنطقة:
بعد هذا التلخيص لهذه الملامح، نعود لنتحدث عن بقية الجهات التي سيكون لها دورًا في المنطقة، وقد ذكرنا في بداية هذه الحلقة بأن المنطقة فيها ثلاث جهات ستلعب دورًا مهمًا في سياستها الداخلية والخارجية، الجهات الثلاث هي:
أولًا: أمريكا وإسرائيل.
ثانيًا: دول المنطقة.
ثالثًا: شعوب المنطقة.