وإذا كانت أمريكا نزعت الخيارات السياسية من الدول العربية على المستوى الخارجي، فإنها أعطت قدرًا من الخيارات لا بأس به على المستوى الداخلي، فأعطت هامشًا يتيح للدول العربي أن تستعرض نفوذها وحنكتها السياسية على شعوبها لتبرهن لأمريكا أنها وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب، فهذا الهامش متاح لهذه الدول قبل مرحلة احتلال العراق، وفي الأيام القادمة يبدو أن هذا الهامش بدأ يضيق وسيضيق أكثر، خاصة بعد طرح مشروع (مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية) الذي يتدخل في كل الشئون الداخلية، فعلى الحكومات العربية أن تتعايش مع الوضع الجديد وتقبل به كما قبلت بغيره من قبل، أو عليها أن ترضى بالرحيل غير مأسوف عليها من قبل أمريكا لتبحث عن البديل.
فالأيام القادمة ستشهد عن طريق مشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، تغيرًا في السياسة الداخلية للدول العربية، وهذا التغير سيشمل جميع المجالات بلا استثناء، وسيشمل نظام الحكم أيضًا وأسلوب تداول السلطة واتخاذ القرار، فما هو موقف الدول العربية؟ وكيف ستتعامل مع هذا الوضع الجديد؟.
أما عن موقف الدول العربية فماذا عساه أن يكون؟ وماذا يمكن أن تصنع لنفسها؟ لا يمكن أن تصنع شيئًا ولا يمكن أن تقوم بأي شيء ذي بال يدفع عنها بلاء أو يجلب لها نفعًا، ما عليها إلا التسليم أو المفاوضة حول بعض هوامش الأوامر الأمريكية في مشروع الشراكة، ولكنها ستتعامل مع هذا الوضع الجديد بمزيد من التعسف والعنجهية مع شعوبها لفرض مشروع الشراكة على كافة المجالات، فمشروع الشراكة هو مشروع مرفوض لدى شعوب المنطقة دينًا وأخلاقًا وطبيعة وتقليدًا، مشروع لا يمكن أن تقبله إلا البهائم، فرفض الشعوب لهذا الأمر سيدفع الحكومات العربية لأن تستأسد عليها لتفرض عليها هذا المشروع، أو بمعنى أصح لتفرض عليها أن تكون بهائم لأمريكا، فالتحرك الحكومي العربي القادم لن يكون ضد العدو الخارجي، بل سيكون ضد العدو الحقيقي الداخلي ضد الشعوب بشكل أخص، هذا هو الهامش المتاح للدول العربية وهو فرض المطالب الأمريكية على الشعوب بقوة الحديد والنار، ومن يعجز عن ذلك فسوف تحاول أمريكا تكرار تجربة العراق على دولته لتفرض هي ما تريد على المنطقة وبنفسها بعد أن ضمنت أن شعوب المنطقة شعوب منزوعة الأسلحة بل منزوعة من كل أسباب القوة، وقال كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الاسبق في عام 1394هـ بعد أزمة البترول (لابد أن يأتي اليوم الذي يدفع فيه العرب ثمن هذا الموقف، لأن بترولهم كله سيكون تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية) ، وبالفعل أصبح تحت السيطرة الأمريكية، وأصبحت الدول كلها تحت السيطرة الأمريكية، بسب عمالة هذه الحكومات الخائنة.
ملامح خيارات شعوب المنطقة:
أما الجهة الثالثة وهي شعوب المنطقة، فهي الرقم الصعب بالنسبة للغزاة وبالنسبة لحكومات المنطقة، فشعوب المنطقة اليوم بدأت تعرف أنها تشكل رقمًا على رقعة الأحداث في العالم، بدأت تتأكد من ذلك يومًا بعد يوم، بدأت تعرف أنها تمتلك سلاحًا جبارًا يرعب الجميع ويجبر الجميع على الاستجابة لمطالبها، هذا السلاح هو الحرب غير المتوازية، هذا السلاح هو حرب العصابات، والعمليات الاستشهادية، هذا الأسلوب لا يصلح معه التسليح الأمريكي ولا يصلح معه سلاحها النووي، ولا يمكن للحكومات العربية أن تحد منه، إنه سلاح قوي وجبار قوته من قوة الإيمان والاعتصام بحبل الله والتوكل عليه.
فماذا يمكن أن تصنع هذه الجهة؟، قبل معرفة ماذا يمكن أن تصنع لابد أن نعرف كيف ينظر إليها الأعداء.