الوجه الثالث: ما ذكروه في السؤال خارج موطن النزاع؛ فإن المسألة المتحدث عنها هي قتالهم في غير تلك البلاد، لا سيما وأنهم قد دخلوها بعهود أمان. وما حدث في بعض بلدان المسلمين لا يقتضي نقض كل عهد في كل بلدان المسلمين، خاصةً إذا تذكرنا أن بلدان المسلمين أصبحت ولايات متعددة تنفرد كل ولاية بسلطة مستقلة، ولها علماؤها وأهل الحل والعقد فيها، كما قرره فقهاء الإسلام كإمام الحرمين والشوكاني وصديق حسن خان والشيخ محمد أبو زهرة (يراجع الإرشاد ص(425) ، السيل الجرار (4/ 512) ، الروضة الندية (2/ 18) الوحدة الإسلامية ص (64) وما بعدها)، وهو الرأي الذي لا يسع المسلمين سواه إذ لو قيل بخلافه لبطلت ولايات الإسلام المتعددة من عهد بني أمية، حيث نشأت ولاية الأندلس إلى يوم الناس هذا، ولا يزال علماء الإسلام يبايعون أهل تلك الولايات، ويحرمون الخروج عليهم، ويرون وجوب طاعتهم في غير معصية الله.
وإذا تقرر عدم انتقاض العهود في كل بلاد الإسلام بانتقاضها في بعضها بمباشرة القتال، فمن باب أولى عدم انتقاضها بالتسبب والإعانة كما في الشيشان وفلسطين.
إلا أنه مما يجب أن يفطن له أنه مع عدم انتقاض هذه العهود، فإنه لا يجوز الوفاء بما يتضمن التخاذل عن نصرة المسلمين في البلدان المعتدى عليها، فإن وقع هذا الشرط فهو باطل لا يلزم بل لا يحل الوفاء به.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
نقض الاعتراضات:
تضمن الجواب: القول بأنَّ الأمريكان في الجزيرة العربيَّة معاهدون، ولا بدَّ لإثبات ذلك من مقاماتٍ أربع:
المقام الأوَّل: إثباتُ العهدِ، وتصحيحُهُ في نفسه وصيغته.
المقام الثَّاني: إثباتُ أهليَّةِ من أعطى العهد، ولزوم عهده للمسلمين.
المقام الثالث: إثباتُ أنَّ العهدَ لا ينتقضُ بمحاربة مسلمين في ولاية أخرى.
المقام الرابع: إثباتُ أنَّ العهدَ لم ينتقضْ بأمرٍ وقعَ في الولاية التي كانت فيها التفجيرات.
فإذا أقيمت أدلَّة هذه المقامات، وأثبتَها المنازع، فالأمريكان في جزيرة العرب معاهدونَ، تحرم دماؤهم ونقول في الإنكار على من قاتلهم: قتل المعاهد كبير. وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به وقتل للمسلمين في كل مكان، وغدرٌ بهم، وإخراجهم من ديارهم = أكبر عند الله، كما أنَّ تولِّي الكافرينَ، وتحكيم القوانين الوضعيَّة، واستحلال المحرَّمات، وعقد الولاء والبراء على معاقد الجاهليَّة أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل.
وإذا كان واحدٌ من هذه المقامات الأربع باطلًا، فالحكم بأنَّ الأمريكان معاهدون باطلٌ كذلك، فلننظر في كلِّ واحدٍ منها، لترى أنَّ كل مقام يحتاجه القائل بصحة عهود الأمريكان في جزيرة العرب، ثابتٌ نقيضُه من وجوه عدّة:
فالأوَّل: ينبني على حقائق العهود الموجودة في هذا العصر، فإنَّ العهدَ ثابتٌ منذ أُسِّست الأمم المتحدة أو قبلها، ولا يكاد يعرف أحدٌ من عامة الناس وعلمائهم، بل ولا أحد من طلبة العلم المجيبين على هذا السُّؤال، بنود العهد على التَّفصيل، والقدر الذي يُعرفُ من البنود، كافٍ في إبطال تلك العهود.
وينبغي النَّظر إليها من جهة مدّة العهد، ومشرِّع العهد، والوضع الفقهي للعهد ولوازمه:
-المدَّة، فأمَّا المدَّةُ التي يجوز للإمام أن يهادن المشركين بقدرها لا يزيد، فقد اختلف الفقهاء في تحديدها، فحدّدها الأصحاب وبعض الفقهاء بعشر سنين، لا تزيد، واستدلُّوا بأنَّ الأصل عموم أدلة وجوب مقاتلة الكفَّار، والعهد استثناء، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاهد على عشر سنين، فيقتصر في الرخصة على موضع النصِّ، وما عداه باقٍ على الأصلِ وهو التَّحريم.