فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 743

ورأى بعضهم توسيعه، وهو الصواب، فللإمام أن يزيد على عشرٍ متى رأى المصلحة في ذلك.

وأمَّا المهادنة بلا تحديد مدَّةٍ، فصورتها: أن يهادنهم بلا أجل، على أنَّ له فسخ العهدِ بأن ينبذ إليهم على سواء، ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر: "أقرُّكم ما أقرَّكم الله"، فيكون للمسلمين أن يُنهوا العهدَ متى شاؤوا، على أن ينبذوا إليهم على سواءٍ، ويُعلموهم في مدةٍ تكفي، ومن صور الهدنة بلا تحديد أن يحدّد مدّة للعهد من انتهائه لا من ابتدائه، فيقول: لي أن أفسخ عهدكم بعد أن أعلمكم بسنةٍ، أو نحو ذلك، وذهب بعضهم إلى أنَّ كلَّ عهدٍ لم يُحدَّد بمدّةٍ مُدَّته أربعةُ أشهرٍ لقوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) لأنَّ الله ضربه أجلًا لعهود جميع الكُفَّار الذين أُنهيَت عهودهم في الآية.

وكلا الصورتين السابقتين للمهادنة، غير التي وقعت بين الحكومة السعودية ومثيلاتها، وأمريكا وأخواتِها، وهي المهادنة المؤبّدةُ، المشروطة إلى أبدِ أبد، وهذه الصُّورة من الضلال المبين، والرِّدَّة عن الدين، كما قال أبو عبد الله أسامة: "من زعم أن هناك سلامًا دائمًا بيننا وبين اليهود فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم"، ووجهُ ذلكَ أنَّه من التَّعاهد على إبطال حكمٍ لله بالكلِّيَّة، والتنصُّل منه، وسواءٌ من جهة إنكار الحكم الشرعيِّ: من تعهَّد أو حلف أن لا يصوم رمضان ولا يحجَّ البيت حتى يموت، ومن تعهّد أن لا يُقاتل الكفَّار أو قومًا منهم حتّى يموت، والمخالف - إن كان في المسلمين من يخالف في هذه الصورة - إمَّا أن يزعم أنَّ القتال واجبٌ يجوز تركه لعهد مع الكفَّار ومعاهدتهم على هذا الترك لأبدٍ فيسقط وجوبُه، وإمَّا أن ينكر وجوب قتال الكفَّار، وكلاهما كفرٌ، كما أنَّ هذا العهد ترك لالتزام حكمٍ شرعيٍّ واجبٍ من الله، وترك التزام أحكام الله كلّها أو بعضها كفرٌ، والتلفُّظ بجحودها كفرٌ ثانٍ، واعتبار شرعيِّتها تبعًا لالتزام شريعة المشرِّع الطَّاغوتيِّ لهم (الشرعيَّة الدوليَّة) كفر ثالث، وكون ذلك طاعةً للكافرين كفرٌ رابع، كما حكم الله بكفر الذين قالوا للكفار سنطيعكم في بعض الأمر.

والعجيب أنَّ المجيبين على السُّؤال نقلوا في تعريفهم العهد، ما يبطل تسميتهم الأمريكان معاهدين، وينقضها بما بُيِّن أعلاه في شروط مدّة العهد فقالوا: "والعهد هو عقد بين المسلمين وأهل الحرب على ترك القتال مدّةً معلومةً"، ولا أدري هل يفهمون معنى ما نقلوه ويظنُّون أنَّ العهد الواقع اليوم مشروطٌ بمدة معلومة؟ أم يعلمونَ حال العهود اليوم، ولا يفهمون أن ما نقلوه مخالفً لها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت