فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 743

وأما من ليست بنيته صالحة للقتال كالنساء والصبيان والشيوخ الفانيين والمعاقين ونحوهم ممن لا يعين على القتال بنفس ولا رأي فإنه لا يقتل؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان متفق عليه.

إلا إذا أعانوا الكفار على القتال أو تترسوا بهم أولم يمكن التمييز بينهم. لحديث الصعب بن جثامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الديار من ديار المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم. متفق عليه.

فتلخص من المسألتين أن الذمي والمعاهد والمستأمن لا يقتلون وأما الحربي فمن كان من أهل القتال جاز قتله ومن لم يكن من أهل القتال فلا يجوز قتله إلا تبعًا.

إن من المتقرر لدى علماء الإسلام - وما نظن المخالفين ينازعون في ذلك - أن الكفر ليس موجبًا للقتل بكل حال لأدلة كثيرة:

منها: قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) .

ومنها: ما شرع من تخيير الكفار بين الإسلام وبذل الجزية والقتال.

ومنها: النهي عن قتل ما لا شأن له بالقتال كالنساء والصبيان وكبار السن والمتقطعين للعبادة الذين لا يشاركون المقاتلين بالفعل أو الرأي.

وفي تقرير هذا الأصل يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: "وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان - والأول هو الصواب - وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر" [السياسة الشرعية ص (132) وما بعدها] .

الوجه الثاني: الثاني: أنه لا يلزم من جواز القتل ابتداءً جوازه بالفعل في زمن أو مكان معين لأن مشروعية القتال منوطة بإعزاز الدين وظهور الغلبة للمسلمين وإذلال الكفار فإذا ظهر لدى أهل الاجتهاد أن القتال في حالة معينة مفسدته أعظم من مصلحته لم يجز القتال حينئذ ونصوص أهل العلم طافحة بهذا الأمر في الكلام عن صور عديدة تندرج تحت هذا الضابط العام ومن ذلك ما جاء في مغني المحتاج (4/ 226) : "إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا استحب لنا الثبات وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية وجب علينا الفرار لقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) . أو بنكاية فيهم استحب الفرار".

وقال الشوكاني في السيل الجرار (4/ 529) : "إذا علموا - أي المسلمون - بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام وقد استدل على ذلك بقوله عز وجل: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها ... ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب فقد ألقى بيده إلى التهلكة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت