وقد أمر بذلك نبي الرحمة صراحة ً كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (فكوا العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع وعودوا المريض) .
قال الحافظ ابن حَجَر [في الفتح: 6/ 167] : (قال سفيان: العاني: الأسير، قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن راهويه: من بيت المال، وروي عن مالك أيضًا) .
وقال الإمام المناوي شارحًا هذا الحديث في فيض القدير: (فكوا) خلِّصوا، والفكاك بفتح الفاء وتكسر التخليص، (العاني) بمُهملة ونون أي أعتقوا الأسير من أيدي العدو بمال أو غيره كالرقيق قال ابن الأثير: العاني الأسير وكل من ذّل واستكان وخضع فقد عنا قال ابن بطال: فكاك الأسير فرض كفاية وبه قال الجمهور وقال ابن راهويه: من بيت المال، ورُوي عن مالك وقال أحمد: يفادي بالرؤوس أو بالمال أو بالمبادلة. اهـ.
و في الصحيح وسنن الترمذي عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي رضي الله عنه: (يا أمير المؤمنين، هل عندكم من الوحي شيء؟) قال: (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله عز وجل رجلًا وما في هذه الصحيفة) ، قلت: (و ما في هذه الصحيفة؟) قال: (العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر) .
والوسائل المعينة على فكاك الأسرى كثيرة، يجب منها ما لا يتم الواجب إلا به، ومن ذلك على وجه التمثيل لا الحَصر:
أولًا: الإكثار من الدعاء لأسرى المسلمين في الخلوات والجماعات، وفي القنوت وعلى المنابر وفي الصلَوات، وسائر مظانِّ الإجابة من الأمكنة والأزمنة.
فقد كان عليه الصلاة والسلام يخص الأسرى بالدعاء، ويسمي بعضَهم بأسمائهم، ويدعوا بالهلاك على أعدائهم، كما في الصحيح عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنّه كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: (اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف) .
ثانيًا: استنقاذ أسرى المسلمين من المشركين بدفع الفدية لإطلاقهم، وذلك من فك الرقاب الذي أمر الله تعالى به، كما في قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * ومَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ) [البلد: 11 - 13] .
قال القرطبي [في تفسير سورة البلد: 20/ 68] : (قوله تعالى(فَكُّ رَقَبَةٍ) فكُّها: خلاصها من الأسر. وقيل: من الرق ... والفك: هو حل القيد؛ والرق قيد، وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. وسمي عنقها فكا كفك الأسير من الأسر.
قال حسان:
كم من أسير فككناه بلا ... ثمن وجز ناصية كنا مواليها)
ويُنفَق من بيت مال المسلمين إن كان موجودًا على فكاك الأسرى، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لأن أستنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب) ، وفي المصنف أيضًا عنه رضي الله عنه أنه قال: (كل أسير من المسلمين كان في أيدي المشركين ففكاكه من بيت مال المسلمين) .
وفي إسناد هذين الأثرين ضعفٌ، ولكن عليهما العَمَل عند أهل العلم كما تقدّم وما سيأتي بيانه عند ذكر أقوالهم رحمهم الله.
وقد حكى ابن حزم الإجماع عليه فقال [كما في مراتب الإجماع، ص:122] : (و اتفقوا أنه إن لم يُقْدَر على فك المسلم إلا بمال يعطاه أهل الحرب، أن إعطاءهم ذلك المال حتى يفك ذلك الأسير واجب) .
وفي المبسوط للسرخسي الحنفي [30/ 271] : (من وقع أسيرًا في يد أهل الحرب من المؤمنين وقصدوا قتله يفترض على كل مسلم يعلم بحاله أن يفديه بماله إن قدر على ذلك، وإلا أخبر به غيره ممن يقدر عليه وإذا قام به البعض سقط عن الباقين بحصول المقصود) .