قال الإمام البخاري في صحيحه [6/ 2594] : (باب يمين الرجل لصاحبه إنه يتحقق إذا خاف عليه القتل أو نحوه، وكذلك كل مكره يخاف؛ فإنه يَذُبُّ عنه الظالم، ويقاتل دونه ولا يخذله، فإن قاتل دون المظلوم فلا قِوَدَ عليه ولا قصاص.
و إن قيل له: لتشربنَّ الخمر، أو لتأكلنَّ الميتة، أو لتبيعنَّ عبدك، أو تقرُّ بدَين، أو تهب هبة، أو تحلُّ عقدة، أو لنقتلنَّ أباك أو أخاك في الإسلام، وما أشبه ذلك؛ وسعه ذلك، لقول النبي: (المسلم أخو المسلم) .اهـ.
وقال شارح الصحيح الحافظ ابن حجر [في فتح الباري 12/ 324] بعد أن ذكر طائفة من أقوال العلماء وخلافهم في مسألة الإكراه بتهديد الغير: (والمتجه قول بن بطال أن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم وإنما يقصد دفعه فلو أتى الدفع على الظالم كان دمه هدرًا وحينئذ لا فرق بين دفعه عن نفسه أو عن غيره) .
وروى أبو داود من حديث جابر وأبي طلحة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرئ مسلم يخذل امرَءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وتنتهك فيه حرمته؛ إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته) .
و أخرج الإمام أحمد والسيوطي (في المعجم الصغير) بإسنادٍ حسّنه عن سهل بن حُنَيف عن أبيه عن النبي قال: (من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة) .
قال الإمام المناوي رحمه الله شارحًا هذا الحديث [في فيض القدير: 6/ 46، 47] : (من أُذِلَّ) بالبناء للمجهول (عنده) أي بحضرته أو بعلمه (مؤمن فلم ينصره) على من ظلمه (هو) أي والحال أنه (يقدر على أن ينصره أذله اللّه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة) فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيويًا كان - مثل أن يقدر على دفع عدوّ يريد أن يبطش به فلا يدفعه - أو دينيًا. اهـ.
قلتُ: فلو وضع المسلم الذي يعيش العيش الرغيد نفسه في موضع أخيه المتقلب في الآصار والأغلال، واستشعر الأخوة الإيمانية التي تجمعهما، لبذل الغالي والنفيس في تنفيس كربة أخيه، وجاد في سبيل تحريره بكل ما تملكه يمينه، ولا أظننا في زمان يخذل فيه المسلم أخاه، بالكلية وإن كثر المخذلون، ففي الأمة طلائع طائفة منصورة، لن يزال أبناؤها على الحق ظاهرين.
ولو لم يرد في الشريعة المطهرة إلا ما تقدم من النصوص العامة في الدلالة على وجوب نصرة المسلم والذب عن عرضه، والدفاع عنه، لكفى بها دليلًا على وجوب استنقاذ الأسرى وفكاك المعتقلين، وحافزًا على بذل الوُسع في رفع المظلمة ودفع الضيم عنهم.
فكيف وقد وردت نصوص ظاهرة الدلالة على وجوب هذا العمل بعينه، كما في قوله تعالى: (ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) [النساء: 75] .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (وتخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها، قال مالك: واجب على الناس أن يُفْدوا الأسارى بجميع أموالهم، وهذا لا خلاف فيه ... وكذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة) [تفسير القرطبي:5/ 257] .