وقال الإمام النووي الشافعي رحمه الله [كما في الروضة: 10/ 216] : بعد أن ذكر وجوب الجهاد لتحرير الأسرى: (و الفداء بالمال واجب إن استطعنا تخليص الأسرى به) .
وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله: (و يجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، ومالك، وإسحاق، ويروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي: على من فكاك الأسير؟ قال على الأرض التي يقاتل عليها) [المغني: 9/ 228] .
ويدخل فكاك الأسرى في مصارف الزكاة، فيصرف له من سهم اعتاق الرقاب، كما يُشرَع الإنفاق عليه من الكفارات الواجبة، على ما هو مفصل في مظانه من كتب الفقه.
قال الإمام القرطبي في تفسير آية الصدقة من سورة التوبة: (و اختلفوا في فك الأسارى منها - أي من أموال الزكاة - فقال أصبغ: لا يجوز. وهو قول ابن قاسم. وقال ابن حبيب: يجوز، لأنها رقبة مُلكت بملك الرق فهي تخرج من رق إلى عتق، وكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا، لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزًا من الصدقة، فأحرى وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله) [تفسير القرطبي: 8/ 183] .
ويُندب إلى وقف الأوقاف وحبس أصول الأموال على ما من شأنه فكاك الأسرى، حتى ينفق من خراج الوقف على كل أسير يقع في أيدي الأعداء إلى يوم يقوم الأشهاد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات) [الفتاوى: 28/ 635] .
وسُئل رحمه الله عن مال موقوف على فكاك الأسرى، وإذا استُدين بمال في ذمم الأسرى بخلاصهم لا يجدون وفاءه: هل يجوز صرفه من الوقف؟ وكذلك لو استدانه ولي فكاكهم بأمر ناظر الوقف أو غيره؟ فأجاب:
نعم يجوز ذلك، بل هو الطريق في خلاص الأسرى، أجود من إعطاء المال ابتداء لمن يفتكهم بعينهم، فإن ذلك يخاف عليه، وقد يصرف في غير الفكاك، وأما هذا فهو مصروف في الفكاك قطعًا. ولا فرق بين أن يصرف عين المال في جهة الاستحقاق، أو يصرف ما استدين، كما كان النبي تارة يصرف مال الزكاة إلى أهل السهمان، وتارة يستدين لأهل السهمان ثم يصرف الزكاة إلى أهل الدَّين، فعُلم أن الصرف وفاء كالصرف أداء، واللّه أعلم. اهـ. [مجموع الفتاوى: 31 /] .
ثالثًا: مفاداة أسرى المسلمين بأسرى الكافرين، ولتحقيق ذلك يُندَب المسلمون إلى الإثخان في العدو وأسر من يمكن أسره من رجالهم لمفاداة المؤمنين بهم، فإذا وقع في أيدي المسلمين أسير من أهل الحرب وأمكن أن يفادى به أسير مسلم أو أكثر تعين العمل على ذلك، ولا مندوحة عنه.
قال الحافظ ابن حَجَر [في الفتح: 6/ 167] : (و لو كان عند المسلمين أسارى وعند المشركين أسارى واتفقوا على المفاداة تعينت) .
وقد أُثر عن النبي حرصه على فكاك الأسارى بالفداء، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلًا برجلين.
قال الموفق ابن قدامة المقدسي رحمه الله في المغني [9/ 228] : (روى سعيد بإسناده عن حبان بن حبلة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم، وروي عن النبي أنه كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، أن يعقلوا معاقلهم وأن يفكوا عانيهم بالمعروف، وفادى النبي رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل، وفادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع رجلين) .