فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 743

ومما سبق يتبين هزيمة أقوام كثر من المنتسبين للإسلام اليوم، حينما داهنوا أعداء الله سبحانه وتعالى، وخدعوا أنفسهم وخدعوا الناس وقالوا إن هذه مداراة شرعية، وما هي إلا هزيمة نكراء، ومداهنة عمياء، قلب الحق فيها باطلًا والباطل حقًا، وبُذل الدين لصلاح الدنيا وصلاح مصالح شخصية وضيعة، فماذا يبقى من معاني النصر بعد هذه الهزيمة المنكرة؟!.

ثالث معاني الهزيمة: الركون والميل للكافرين وأصحاب الباطل:

قال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) .

وقد اختلف في سبب نزول هذه الآيات:

فقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا ولو بأطراف أصابعك، فحدث نفسه وقال: "ما علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره".

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان 3/ 619 بعد أن ذكر جملة من الأقوال في سبب نزولها "إلى غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار كادوا يفتنونه، أي: قاربوا ذلك، ومعنى يفتنونك: يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم نوحه إليك. قال بعض أهل العلم: قاربوا ذلك في ظنهم لا فيما نفس الأمر. وقيل: معنى ذلك أنه خطر في قلبه صلى الله أن يوافقهم في بعض ما أحبوا ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه على إسلامهم".

وقال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير 3/ 247 " (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) : لقاربت أن تميل إليهم أدنى ميل، والركون: هو الميل اليسير؛ ولهذا قال: (شَيْئًا قَلِيلًا) لكن أدركته صلى الله عليه وآله وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب الركون إليهم، فضلا عن نفس الركون، ... ثم توعده سبحانه في ذلك أشد الوعيد فقال: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) أي: لو قاربت أن تركن إليهم، أي: مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين، والمعنى: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا".

قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في سبيل النجاة والفكاك ص50 "فأخبر تعالى أنه لولا تثبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم لركن إلى المشركين شيئًا قليلًا، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه الله عذاب الدنيا والآخرة مضاعفًا، ولكنَّ الله ثبته فلم يركن إليهم، بل عاداهم وقطع اليد منهم. ولكن إذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته، فغيره أولى بلحوق الوعيد به".

ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) .

قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) والركون هو الميل، ومنه: الادهان - وسبق الكلام عليه - قال القرطبي رحمه الله " (وَلا تَرْكَنُوا) الركون: حقيقة الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم، وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم، وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب، وقال ابن زيد: الركون هنا: الادهان؛ وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت