فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 743

وقال أبو السعود رحمه الله في تفسيره 9/ 13 على قوله تعالى: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) "تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، أي: دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم، وتصلب في ذلك، أو نهى عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم استجلابا لقلوبهم لا عن طاعتهم كما ينبىء عنه قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) فإنه تعليل للنهي أو الانتهاء، وإنما عبر عنها بالطاعة للمبالغة في الزجر والتنفير، أي: أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور، (فَيُدْهِنُونَ) أي: فهم يدهنون حينئذ، أو فهم الآن يدهنون طمعا في ادهانك".

والادهان: اللين والمصانعة، فبيّن الله سبحانه وتعالى هنا أن كفار مكة ودوا لو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لان لهم وصانعهم، وقد نهاه الله سبحانه عن ذلك ".

قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله في تفسيره 6/ 20 "وقوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) أي: تضعف في أمرك فيضعفون، أو تلين لهم فيلينون. والمداهنة: معاشرة في الظاهر ومحالمة بغير موافقة الباطن".

قال المبرد: "يقال: أدهن في دينه وداهن في أمره، أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت".

وضل أقوام فظنوا أن المداهنة المحرمة، هي نفسها المداراة الجائزة، فولجوا باب الهزيمة جاهلين أو متجاهلين أنهم ولجوه باسم المداراة الشرعية، ولتوضيح ذلك نقول:

إن باب (المداراة) شيء، وباب (المداهنة) شيء آخر، فتجوز المداراة بخلاف المداهنة، فالمداراة من باب التلطف بالقول مع المخالف، واللين، والرفق، ولا يكون فيها إقرار باطل، أو تقرير له، ونحو ذلك، فإن حصل شيء من هذا فقد انتقل إلى باب (المداهنة) .

والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث (بئس أخو العشيرة) لم يتكلم بباطل، ولم يقر شيئًا باطلًا، ولم يفعل معصية في عمله - وحاشاه صلى الله عليه وسلم - وهو من باب دفع الشر، أو غيره، ولكنه بطريقة مشروعة، لم تخالط بمعصية، وقد وردت أحاديث في مدح مداراة الناس لأنها قد تكون من باب حسن الخلق في بعض الأحيان.

قال ابن حجر في الفتح 10/ 528 قال ابن بطال رحمه الله " المداراة: من أخلاق المؤمنين؛ وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة: من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها: معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك".

وقال ابن حجر في الفتح 10/ 454 نقلًا عن القرطبي وعياض رحم الله الجميع: "والفرق بين المدارة والمداهنة: أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معًا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا،، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له - يعني لمن قال عنه (بئس أخو العشيرة) - من دنياه حسن عشرته، والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى".أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت