فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 743

و إذا دخل العدو بلدًا من بلاد المسلمين، فإنَّ دفعه فرضُ كفايةٍ على الأمَّة، وهو فرض عينٍ على أهل البلد، فإن لم يقوموا به وجب على من حولهم، ثمَّ يتّسع الواجب حتّى يأثم الكافَّة إن لم يقم به من يكفي كما هو معروف في الواجب الكفائيِّ، فهل يجوز التعاهد مع عدوٍّ على إلغاء شيءٍ هو من الفرائض الواجبة المتعيّنة على كل واحدٍ من المسلمين؟ بل كل عهد تضمّن هذا باطلٌ ساقط، وكتاب الله أحقُّ، وشرط الله أوثقُ.

وما أدري لو أنَّ هذا المتكلم بهذا الكلام، وجد امرأةً مسلمةً على قارعة الطريق في بلدٍ من بلاد الكفرِ، يستكرهها أمريكيٌّ على الزِّنى، أيعتقد وجوب نصرها على من (بينه وبينه ميثاق) أم يمرُّ، ولا يعنيه الأمر؟

فإن وجب نصرها، مع كونها غير سعوديَّةِ البطاقة، فهل يجب نصرها لو أُريد قتلها؟ وهل يجب لها وحدها أم للشيوخ والأطفال والمستضعفين في بلاد الإسلام؟ وهل يجب الدفاع عن أبدانهم فقط أم عليه الدفاع عن أديانهم من العدوِّ الصليبيِّ الذي يسعى لنشر الفساد والإلحاد في البلاد والعباد؟

ولو أنَّ أمريكا عزمَت على غزو بلاد الحرمين، وجيّشت الجيوش لتحتلَّ مكَّة والمدينة، فهل يلتزم الداعي إلى هذا المذهب لازم قوله، ويفتي جميع الدول الإسلاميَّة بتحريم مناصرة المسلمين في بلاد الحرمين، ويمنعهم من الدفاع عن مكَّة والمدينة، ويأمرهم بالتزام عهدهم مع أمريكا؟

أم يخصُّ مكَّة والمدينة بوجوب مناصرتها وحفظ حرمتها دون سائر حرمات المسلمين، ثمَّ يمنع مناصرة المسلمين في نجد وسائر الحجاز، ويوجب السكوت إذا احتُلَّت الرِّياض، وسقطت الدولة التي يسمونها دولة الإسلام؟

وأمَّا استدلالهم بمن ردَّهم النّبيُّ صلى الله عليه وسلم من المسلمين، فأوَّل ما فيه أنَّه يلزمهم منه اللازم الباطل أعلاه.

والنبي صلى الله عليه وسلم لمَّا استنكر الصحابة هذا الشرط قال لهم: (إنَّ الله جاعلٌ لهم فرجًا ومخرجًا) ، فهو أمرٌ خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم، بدليل عموم النصوص الموجبة الدفاع عن المسلمين المستضعفين.

وعلى التنزُّل فهو خاصٌّ بمن علمنا أنَّ الله جاعلٌ له مخرجًا، على أنَّه كما ردَّ هؤلاء، نقض عهد قريشٍ بإعانتها على حلفاء له كانوا خارج المدينة، فهل الحلف أدعى للنصرة، وأوجبُ لها من الإيمان؟ أم يدخل وجوب نصرة المسلم بالأولويَّة، فإنَّ الإسلام أقوى، ورابطته أوثق من الحلف.

وقد قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يُسلمه ولا يظلمه ولا يخذله"؛ فهو من مقتضيَاتِ الأُخوَّة الثَّابتة لكل مسلم.

والله جعل حال المستضعفين موجبةً للجهاد، فقال: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) في غير موضع، وحرَّض الله المؤمنين بتذكيرهم بالذين (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) ، و (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) ؛ فهو الحكم المحكم العامُّ، والأصل الثَّابت، والفعل يحتمل الخصوصيَّة بخلاف القول.

قال ابن العربي رحمه الله (أحكام القرآن 4/ 1789) : "فأما عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة، وقضى فيه من المصلحة، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة، وحميد الأثر في الإسلام ما حمل الكفار على الرضا بإسقاطه، والشفاعة في حطه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت