فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 743

ثمَّ الحديثُ في قومٍ مستضعفين في دار كفرٍ، وليس في دخول أهل الكفر بلاد الإسلام واحتلالهم لها، أو اعتدائهم على مسلمين خارج حكمهم، بل هو في من أسلم منهم، ومن كان في أيديهم من المسلمين.

وأمَّا اعتداؤهم على المسلمين أو حلفائهم ممن هو خارج أيديهم، فقد جعله النّبي صلى الله عليه وسلم ناقضًا لعهدهم ومبيحًا لدمائهم، وغزا قريشًا لمَّا أعان بعضُهُم بعضَ البكريِّين على خزاعةَ حلفَاءِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وإن تُنزِّل فيه بعد هذا، وأُخِذ بقول من يقول بعموم الحكم وعدم اختصاصه بالنبي وأُلغيَ الفرقُ بين دار الإسلام ودار الكفر، فيجب أن لا يعدَّى موضعه؛ لأنَّ الفعل لا عموم له، وهذا الفعل جاء في مخالفة عمومات قوليَّة.

فيكون مختصًّا: بأفراد من المسلمين لا شوكةَ لهم أو دولة، عُلم فيهِم أنَّهم لا يفتَتِنُون عن دينهم وغلب على الظَّنِّ أنَّ الله جاعلٌ لهم مخرجًا، وكانوا قبل العهد في دار الكفر وبأيدي الكُفَّار أو كانوا من الكُفَّار المعاهدين ثمَّ أسلموا، فلا يلحق بهم الأسرى الذين يحدث أسرهم بعد العهد.

وعلى التنزُّل مرَّةً بعد مرَّةٍ، فقد جعله الله للرِّجال خاصَّة، وأمَّا النساء فقد أنزل الله فيهنَّ: (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) فيلزمُ المُستدلَّ بِهِ إن رأى صحَّة دلالته على ما يقول: أن يستثني نساء المسلمين حيثُ كُنَّ من الدُّخول في هذا الحكم.

وأمَّا المقام الرابع: إثبات أن العهد لم ينتقض بأمر وقع في هذه البلاد نفسها.

فمما ينتقض به العهد، بعض الأمور السابقة التي ذكرنا في المقام الأوَّل مما لا يصحُّ العهد معه ابتداءً، فاستمرارها استمرار لما ينقض العهد ويبطله، فمنه بناؤهم الكنائس كالكنيسة التي نالها التفجير في أحد المجمعات، ودور البغاء والمراقص وحانات الخمر، التي لا تقتصر عليهم بل يفتحونها لأبناء المسلمين، وبناتهم. وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع هذه المسألة، وأنقل فيما يلي موطن الشاهد منها:

"دخول الكافر لبلاد الإسلام عامَّة - عدا جزيرة العرب -، لا يخرج عن الأحوال التالية:

أ - الأمان: وله صورتان:

الصورة الأولى: أن يستجير المشرك حتّى يسمع الكلام الله، فيجب وجوبًا أن يُجار ويعطى الأمان حتَّى يسمع كلام الله، ويجبُ إبلاغه مأمنه. وهذه الصُّورة واجبة على المسلمين، متى استجار الكافر لهذا الغرض (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) .

الصورة الثانية: أن يطلب الأمان، ليدخل بلاد المسلمين، لمرورٍ أو تجارةٍ، أو غرضٍ يقضيه، فيدخل حتى تتم حاجته. وهذه الصورة، مأذون فيها للمسلمين، يختار فيها ولي الأمر المصلحة، كأن يأذنوا للمسلمين في دخولٍ كدخولهم، أو يحتاجهم المسلمون في عملٍ يحسنونه، أو نحو ذلك.

ب - العهد:

فإن كان من عهدٍ بين المسلمين والكفار، أن يدخل واحدهم لكذا وكذا، فإنَّه يجوز فيما يجوز فيه الأمان السابق، وإنما يختلف عنه في أن المعاهد لا يحتاج إلى أمان بخصوصه، بل يكفيه عهد قومه.

ج - الذِّمَّة:

ويكون هذا لأهل البلاد التي يفتحها المسلمون، بأن يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويدخلوا تحت حكم الإسلام فيهم.

د - العُدْوَان:

فإن دخل الكافر بلاد المسلمين، بغير شيءٍ مما سبقَ، فله حالانِ:

الأولى: أن يدخل الواحد المقدور عليه منهم: فهذا مهدور الدم مباحُهُ.

الثانية: أن تدخل طائفةٌ منهم لها شوكةٌ، فهي معتديَةٌ على بلاد المسلمين يجب أن تُقاتل وتدفع، وكذا دخول الواحد منهم إذا كان بشوكةِ قومه ومنعتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت