فأمَّا الأوَّل؛ فإنَّه بترٌ للآية، وانتزاعٌ لها من بين ما يوضِّحها، وإطلاق لما جاء مقيَّدًا بالنصِّ منها، وإليك الآية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .
فجعلت سقوطَ واجب النُّصرة معلّقًا بخطيئة ترك الهجرة، فمن لم يُهاجِر سقطَت ولايته للمسلمين (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، والولاية متى كانت بفتح الواو كان الأغلب عليها معنى النُّصرة وحده، فإن كُسرت شملت النُّصرة، وغيرها، وقد فرَّع الله على سقوط ولايتهم أنّهم إن استنصروا المؤمنين على قومٍ بينهم وبين المؤمنين ميثاق لم ينصروا، وجعل أمد ذلك أن يهاجروا.
فمقتضى الاستدلال بهذه الآية، أن يُقال: إنَّ عهد الكفَّار لا ينتقض لو حاربوا مسلمين مفرّطين في فريضة الهجرة إلى بلاد المسلمين، مقيمين في دور الكفر، ولكنَّ الآية منسوخةٌ بنسخ وجوب الهجرة على كل أحد إلى المدينة، إذ لا هجرة بعد الفتح، وعادت واجبة على من كان في دار كفر، ولا يستطيع إظهار شعائر دينه، من الأركان والشعائر الظاهرة، والبراءة مما يعبد من دون الله، وإعلان العداوة للكافرين، فلا تنقطع الهجرة في هذه الحال حتى تنقطع التوبة.
وأمَّا من كان مقيمًا في بلد إسلامٍ أخرى، فلم تجب عليه الهجرة، فضلًا عن الممنوع من دخول بلاد الحرمين، والتي تعدّون حاكمها مسلمًا، فكيف يسقط واجب نصرته مع حرصه على الهجرة والمجيء وعجزه عن ذلك، أو عدم وجوبها عليه أصلًا ولا مطالبته بها شرعًا؟
وولاية الإسلام أولى من كل ولايةٍ بالحفظ والحياطة والالتزام بلوازمها والقيام بواجباتها، وأصحاب هذا القول يدّعون أنَّ المسلم كالدولة الكافرة المعاهدة لنا من كل وجه، فلا يجوز أن ننصر أحدهما على الآخر.
وعلى التنزُّل في كلِّ هذا: وإدخال كل مسلم في أرض الله خارج هذه البلاد فيمن يسقط واجب نصرتهم إذا قاتلوا معاهدين، فإنَّ الآية في الاستنصار على العدوِّ لا الاستغاثة، والفرق أن المستغيث هو من دهمه العدوُّ، أو غلبه على أرضه وبلده، وأمَّا المستنصر فهو من يُقاتل العدوَّ إمَّا غازيًا له وإما على السواء، ثمَّ يعجز عن غلبته، فيحتاج إلى من ينصره، فالمستنصر طالب النصر على العدو، والمستغيث طالب للغوث والسلامة من العدوِّ الصائل.
وقد يُطلق النَّصر، ويُراد به الإغاثة من العدوِّ، ويقال فيه حينئذٍ: نصره من عدوِّه، لا نصره على عدوِّه، فيكون نصره منه بمعنى أنجاه منه، ونصره عليه بمعنى أظهره عليه، والنَّصر في الآية مُعدًّى بعلى (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) ، وهذا إن كانت على في الآية متعلّقةً بالنّصر، أمَّا إذا تعلّقت بالاستنصار، فإنَّ التعدية بعلى في الاستنصار تشمل المعنيَين، والأصل والظاهر أنَّها متعلّقة بالنصر.