بعض قول الطبيعيين:
قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا جملا من تباين الناس في بدء العالم، ممن أثبت حدوثه ونفاه، وما جرت الآراء بهم فيه الى جهات شتى، وقد أخبرنا أنهم طوائف الهند وفرق من اليونانيين، ومن وافقهم على القول بالقدم من الفلكيين والطبيعيين، وما اوردته الفلكية من قولها: إن الحركة الصانعة للأشخاص المحِلة فيها الأرواح متى قطعت المسافة التي بين العقدة التي ابتدأت منها، حتى تنتهي اليه راجعة، ثم تنفصل عنها- أعادت كل ما بدأت به أولًا كهيئته وأشخاصه وصوره وضروب أشكاله، إذ كانت العلة والسبب اللذين بوجودهما توجد الأشياء قد وحِدَا عَوْدًا كما وجدا بدْءًا، فوجب ظهور الأشياء متى عادت إلى المبدإ الذي كان عنه الصَّدَر، ثم ما تعقب هذا القول من قول الطبيعيين. إن علة كون الأشياء الجسمانية والنفسانية من قبل حركات الطبائع واختلاطها، لأن الطبيعة عندهم تحركت في بدوِّها واختلطت فأظهر الحيوان والنبات وسائر الموجودات في العالم، وجعلت لها أصلًا من التناسل، لما عجزت عن تبقية الأشخاص وعدلت إلى النسل، وإن الطبائع تنتقل من مركب إلى بسيط، ومن بسيط إلى مركب، حتى إذا أدى المركب كنه ما